Archive for 30 مارس, 2008

مسرحية القاضي و القلم !!

مارس 30, 2008

كم هو غريب هذا المغرب ، لا يمر يوم إلا و نسمع خبرا أغرب من خبر الأمس . الظاهر أن أصحاب تلك الوصلة الإشهارية المعلومة قد أسرعوا ..، فلو تريتوا فلربما جاءتهم أفكار أحسن و أفضل مع كل مل يقع حاليا في المملكة السعيدة.
أظن أن الكل قد سمع عن تلك المحاكمة التي حكم فيها على المهندس فؤاد مرتضى بالسجن ثلاث سنوات ، بتهمة انتحال صفة ..، و ليأتي بعدها الملك في مشهد كوميدي يعلن فيه عفوه عن المهندس ..، و كأنه يقول أن ذاك المسمى قضاء لم يخلق إلا للدكور. اليوم و بعد مرور ايام عن الجزء الأول من هذه المسرحية الكوميدية ، يتحفنا المخرج المقتدر “القضاء المغربي” بالجزء الثاني من المسرحية ، لكن هذه المرة كان النوع تراجيديا هزلية. البطل هذه المرة كان هو الممثل المقتدر محمد العلوي (بالمناسبة أبظال مسرحياتنا كلهم علويون) الذي قام بأداء عدة أدوار بطولة في مسرحيات سابقة منها ، عشر سنوات من المنع ، و أبوبكر المفلس. المسرحية تحكي عن قاض “نزيه” يواجه أحد الصحفيين “الاشرار” الذين يهددون الأمن الاجتماعي للشعب المغلوب على أمره ، و يثيرون الفتنة باختلاق الأكاذيب و اتهام أخيار المجتمع بتهم لا تمت للواقع بصلة. و هنا يجب الإشارة إلى أن المخرج -جازاه الله عنا خيرا- لم يشأ حشو المسرحية بالتفاصيل المملة و الزائدة مثل المسلسلات المكسيكية ، فركز على المهم و الأهم ..رأفة بالمشاهد الكريم.
و بما أن الخير لا بد أن ينتصر على الشر في كل القصص السعيدة ، أو على الأقل هذا ما عهدناه منذ أن تفتححت أعيننا على هذه الدنيا. أسدل الستارعلى الفصل الأول بتغريم الجريدة التي يرأسها رأس الأفعى ذاك بدفع غرامة قدرها ست مائة مليون سنتيم فقط .لكن يجب أن نعلم أن القاضي أخذ بعين الإعتبار عدم الإثقال على المؤسسة الإعلامية ، لأنه من الداعين إلى حرية التعبير و ما إلى ذلك من مرادفات للدمقراطية.
بما أن الفصل الثاني لم يكمل بعد لعرضه ، و ربما سيتاخر قليلا ، فلا بأس أن تتخيل ما ستنتهي عليه المسرحية ن و لكم أنتم أيضا ماذا سيقع ، صدقوني إن ذالك فيه فائدة للدماغ . من جهتي لقد تخيلت ثلاث سناريوهات لنهاية القصة. أولها…أن يؤكد القاضي الثاني (الذي سيأخذ دور البطولة في الجزء الثاني) أو ربما سيزيد من قيمة الغرامة ، و لن يبقى بعدها أمام المدان سوى دفع الغرامة ، أو الاعتذار و إعلان ثوبته (مع أني أستبعد هذا الطرح لأن غالبا ما يبقي الشرير شريرا) . ثانيا…أن يمسك القية قاض فاسد سيبيع ذمته من أجل دراهم بسيطة من أجل للحكم لصالح الشرير ، و أنا قريب إلى هذا الفرضية ، ربما لأني لا أحب النهايات الكلاسيكية. اما الافتراض الثالث…هو أن يحكم على الظالم ، الشرير ..وبعد أن يستعدوا لتنفيذ الحكم بسد فم المذنب لكي لا يتضرر منه أحد مستقبلا ، لكي قبل تنفيذ الحكم..سيظهر شخص على جواد أبيض ، عليه سمات الملوك ، رأسه يعتليه تاج…، سيوقف الحكم و يعلن عفوه عن المذنب بدعوى المغفرة ، و أن الصفح من شيم الأخيار و جزء لا يتجزء من شخصية العقلاء و الحكماء..بعدها سيبدأ الستار بالانسدال ببطئ تحت تصفيقات الجمهور الغفير ، و لتبقى الصورة الأخيرة التي يظهر فيها الصحفي “الشرير” وحيدا في الساحة مطاطئ الرأس، و ضوء خافت مسلط عليه من فوقه..في حين أن الساحة مظلمة و خالية إلا من الغبار الذي تركه حصان ذاك الشهم.
بعد هذا العرض المسرحي الجميل و الممتع ، الذي ستشاهده حتما في الليل ، لن يبقى أمامكم أحبتي الكرام سوى الغوص داخل فراشكم الداقئ و أن تتحسسوا بفروة رأسكم الوسادة الناعمة ن و بعدها نموا..نموا..نموا لتعانقوا أحلامكم الوردية ، فكل ما شاهدتموه الليلة ، لا يعدوا يكون سوى مسرحية.

الرهبان الجدد

مارس 29, 2008

عجيب أمر “شيوخنا” الأفاضل الذين ابوا إلا أن يضعوا العقدة في المنشار ، و أن يحللوا و يحرموا الأشياء على هواهم ، فمع بروز الفضائيات التي أصبحت تتناسل كالأرانب ، و مع الانتشار السريع للإنترنت بشكل لم يعد ممكنا مراقبة محتوياتها..، ظهر شيوخ -وأنا هنا أتحفظ على كلمة شيوخ- يفتون في كل شيء ، في ما يعلمون و في ما لا يعلمون ، من الطب ، مرورا بالتكنولوجيا..و صولا إلى السياسة.
في هذه الأيام ، لم يعد يمر يوم إلا و يتحفنا أحد “الشيوخ” الأجلاء بفتوى يشيب لها الولدان ! فالفتاوى اصبحت عمل من لا عمل له ..، حتى يخال  لك أن العالم كله امتهن الإفتاء . أظن أن الكل سمع بتلك الفتوى التي تقضي بجلد الصحافيين الذين “تطاولوا على خصوصية سعادة “الريس” ، و يا حسرة..لم يكن مصدر الفتوى سوى الازهر. أما فتاوي التكفير فأصبحت أكثر من عادية ، هذا إن لم نقل أصبحت ضرورية في حياة البعض. فلا تعجب إن سمعت أحد “الإخوان” يكفر هذا و يبيح دم ذاك ، فهذه الأشياء قد تعايشنا معها و لله الحمد.
و بما ان المصائب تأتي دفعة واحدة ، فقد ابتلينا بفقهاء ، و ما هم بفقهاء ، يفهمون في كل شيء..من علوم الذرة ، إلى علوم الفضاء ، و بما أن الجاهل بشيء معاديه ، فالنتيجة معروفة مسبقا.
لنأخذ مثلا القرن الماضي ..، سنرى أن التلفاز قد حرم في وقت من الاوقات  ، و أن اللباس “الرومي” قد حرم بدعوى التشيه بالكفار! بل إن البعض ذهب إلى أن تدخل الطب في حالات الأزمات القلبية و الفشل الكلوي تدخل غير مستحب. هناك ايضا بعض الفتاوي العجيبة ، الغريبة، و لا أعرف من أي زمان أتى أصحابها . فمثلا هناك من أفتت بأن الجلوس فوق الكرسي رذيلة و زنى لا شبهة فيه (بالنسبة للإناث)! و هناك من رجع قرونا إلى الوراء و أفتى بأن كل من اقر بدوران الأرض خارج عن الملة ، و الحجة كانت هي أنها غير مذكورة بالقرآن . بل أن البعض ذهبوا بعيدا ، و أفتوا بأن دخول المرأة على الإنترنت حرام ، إلا بوجود محرم ! و حرموا رياضة المرأة ،و سياقة المرأة ، و حكم المرأة ..و هناك العديد من أمثال هذه الفتاوي الشاذة .
لا أعرف ما الذي يدعو هؤلاء الذين سموا شيوخا -ربما خطأ- إلى الخروج بمثل هذه التراهات..، ربما لأنهم يسكنون أبراجا عاجية نادرا ما يتركونها ..، لكن مهما كان السب ، أقول لهم : لا ياشيوخنا ، لقد أخطأتم العنوان ، فليس نحن الذين سيفترشون الحصير ، و سيسافرون فوق الجمال . ليس نحن الذين سنقتل  بالسيف ،و نكتب بالريش . لا ، و الف لا و من اراد ..، فها هي الصحراء ، مسكينة لم يعش بها بشر منذ زمن بعيد.
في الأخير ، يمكن أن أقول أننا ما زلنا نعيش عصر الظلومات بشقه العربي، و بأن الطريق ما زالت طويلة أمام لكي تنضج عقول بعض “المشايخ” سامحهم الله ، هذا إن لم نقل أن عقولهم قد انتهت صلاحيتها و حان وقت التخلص منها.