قصة:سقوط مطمبيق

-ماذا بوسعي أن أفعل، لقد خدعتموني بتقاريركم الكاذبة. إن الأمور قد خرجت عن سيطرتي، ليس بوسعنا سوى انتظار معجزة من السماء. فادعوا معي الرب ليجنب هذا الشعب المذلة.

هكذا خاطب الملك حاشيته، لقد عرف أن كارثة عظيمة على الأبواب. هذه المرة ليست كباقي المرات، إنه يعلم أن الداء قد استفحل، و أن مصدره من الداخل.

لقد ولت الأيام التي كان يحل فيها المشاكل دون أن ينبس ببنت شفة، فعلا لقد ولت ايام المجد دون رجعة. إنها اللعنة..، لعنة اصابت المملكة التي لم تعرف وضعا مماثلا كهذا منذ زمن بعيد. كانت أرضا مباركة، باركتها الآلهة.. قبل أن تتخلى عنها، عندما أحست أن النهاية وشيكة، فآلهتنا هنا لا تقف إلا في الصف الرابح!

كلما مر الوقت إلا و نبضات الملك تزداد. أيعقل أن تكون النهاية على يديه، أو بالأحرى في فترة حكمه؟ إنه لكابوس أن تكون أنتَ السبب في اندثار مملكة عمرت قرونا.

-ما الأخبار؟ ما الجديد الذي أتيتموني به؟

يصيح الملك في وزراءه. لكن لا أحد يجيب، القاعة يعمها صمت رهيب.

-أو لتسمعون.. قلت ما الأخبار..؟

-سيدي لا أمل..

-كيف لا أمل؟ دع الأمل و شأنه، و قل لي إلى ما وصلتم؟

-وصلتنا يا سيدي أنباء عن كون المخزون قد سقط في يد الأعداء..

-سيدي، سيدي.. لا تملون من تكرار هذه الجملة.. أنباء! و أين كان هذا الذي أتاك بهذه الأنباء عندما سرقت المخازن.. و هل عرفتم من قام بعملية السطو؟

-من..من .. أأأ..أأ..

-تكلم، لقد افقدتني صوابي..

-إنه، إنه.. ولي العهد يا سيدي.

-أي ولي عهد.. تكلم يا غراب!

-ولي عهد عرشكم..

-نعم! أي لعنة هاته التي أصابتنا؟ ها ما كنت أخشاه قد وقع.. إن أمثالكم لا يعتمد عليهم.. اجمع الكهنة..

-و لكن يا سيدي..

-تصرف، قلت لك.. اجمعهم و كفى.

عرف الملك بحدسه، الذي لم يخنه يوما أبدا، أن النهاية قد اقتربت، فالمملكة تحتضر. لم يبقى أمامه الكثير من الوقت لإنهاء كل شيء، لقد دخلت المملكة في وقتها الميت، فأيام قليلة و سينهار كل شيء.

-أين هم الكهنة..

-إنهم بالباب، ينتظرون إذنكم سيدي..

-أدخلهم.. بسرعة، فليس لدينا وقت نضيعه.

إنه يعلم أن الأمر قد انتهى، و السقوط مسألة وقت ليس إلا. فاستدعاء الرهبان، بل حتى الآلهة لن يأتي بجديد..، إنه يعرف كل هذا، لكنه أراد أن يلهي الجميع قبل أن ينهارالصرح، إنه يعرف أكثر من غيره أن الدين أفضل وسيلة للسيطرة على الناس.

-أتعرفون لماذا جمعتكم اليوم، بعد كل هذه السنوات من القطيعة.

-لا يا مولاي.. (يجيب كبير الكهنة)

–إني ارتأيت أنه ليس هناك أفضل منكم لقيادة المرحلة المقبلة.. عندما سأكون غائبا، ستبقون في الواجهة، و لستم ملزمين بفعل شيء، فالأمور كما مخطط لذلك، ستسير من تلقاء نفسها.

-لكن يا مولاي، أين ستذهبون، و تتركون البلاد في هذا الوقت العصيب؟

-لا تقلقوا، سأبقى هنا.. لكني سأعتكف داخل معبدي لأجد حلا سيجنبنا الكارثة التي على الأبواب.

-و لكن يا مولاي..

-أعرف، أعرف.. سندعي أمامهم أننا نتشاور، أي أنا و أنتم، و حتما لن يشكوا بشيء. كل ما عليكم فعله.. هو التزام الصمت، الصمت فقط.

-حاضر يا مولاي..

-سأترككم الآن، و سأعتكف في معبدي.. لن أطيل كثيرا، يومان أو ثلاثة على الأكثر، و سأتيكم بالحل..

-فلتبارك الآلهة.. فلتبارك الآلهة (ردد الكهنة بصوت واحد).

اتجه الملك إلى معبده الخاص، دخل ثم أقفله على غير العادة، اتجه مباشرة إلى رف النبيذ، أخرج زجاجة من نبيذ عتيق، و هو يردد:

-إنها النهاية، إنها النهاية. فلا داعي للمقاومة.

لم يكن يتصور أن نهاية المملكة التي عمرت قرونا ستكون بهذه التراجيديا. لم يكن يظن أن الطعنة القاتلة ستأتيه من الخلف.

إنه يتصرف كمن عهد فعل ما يفعله الآن! بعد أن ارتشف ما بالكأس من نبيذ، اتجه نحو صندوق ذهبي ليخرج منه كيسا من حرير.

-هيا يا حبيبتي، إنه وقت العمل. لقد ارتحت كثيرا، و ها قد جاء وقت تنفيذ المهمة التي خلقت لها، فأرجوك لا تخذليني أنتِ أيضا.

أخرج الحية، قبلها، ثم وضعها على عنقه، و تركها تقوم بعملها.

-آآآه، أحسنتِ..

سقط الكأس، و سقط بعده الملك.. أخذت الحية مكانها فوق صدره، و كأنها تبكي حبيبا راح.

انتحر الملك..

بعد ثلاثة أيام من الهدوء، سقطت مطمبيق. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة!

Advertisements

8 تعليقات to “قصة:سقوط مطمبيق”

  1. أسامة Says:

    *مطمبيق: امبراطورية توجد في الشمال الغربي من دماغي .. 🙂 ، صراحة لا أعرف كيف اخترعت هذا الاسم.. هي كانت لحظة تأمل، تمخض على إثرها هذا الاسم العجيب الغريب!! (الله أكبر 😀 )

    أعرف أنها قصة لا تستحق أن تكتب و لا أن تقرأ، لكني هذا ما حلمت به… فكتبته، يعني كل الذنب على الحلم… حقا آسف على وقتك الذي أضعته في قراءة هذه الخزعبلات…!!

    **************
    أول ما كتبت هذه التدوينة (أعتقد في بداية مايو) ذيلتها بعبارة “اللهم اشف هديل”، كنت ساعتها آملا كغيري في رجوع هديل، لكن للأسف لم يقع رجوعها.. رحمة الله على هديل، و أسكنها فسيح جناته.. آمين يا رب العالمين..

  2. حمود Says:

    لا يسعني سوى القول أنها “رائعة”.. محكمة متقن سلسة.. ما شاء الله
    اعجبتني واستمتعت بها مع فنجان قهوة الصباح.. أرى انك ستكون أديبا كبيرا لو واصلت هكذا.
    بالفعل تكتب بتمكن يا اسامة.. بغض النظر عن خلفية القصة وما ادى الى كتابتها
    اشكرك على هذه المتعة.

  3. mo3anah Says:

    ليه خزعبلات اخي ؟ …
    انها قصه جميله …
    لقد استمتعت بها .. 😉

  4. JUST HOPE Says:

    مشروع قاص في الطريق

    ننتظر المزيد من مطمبيق مخيلتك

    واللهم أرحم هديل وأغفر لها وأسكنها فسيح جناتك

    تحياتي لك

  5. أسامة Says:

    حمود
    شكرا لك يا صديقي.. إننا نحاول فقط.. على قد المستطاع 🙂
    شكرا نرة أخرى على الإطراء..

    إيهاب
    شكرا لك.. و سعيد لاستمتاعك

    أ.أمل
    لا أظن ذلك، فأنا أجرب فقط…
    الله يرحمها..

  6. عبير Says:

    فعلا قصة جميلة ومشوقة ..اسمتعت بها فعلا وبلا مجاملة انها رائعة
    شكرا لك
    تقبل مروري

  7. ..:| مجرد أماني |:.. Says:

    أسامة O_o
    مطمبيق مملكة خيالية !!
    أكاد أراها وأنت تحكي عنها …
    محبكة سلسة …
    وحتما هذه الدراما هي مهرب الكثير

  8. أسامة Says:

    ليس إلى هذه الدرجة يا أماني… انا أعرف كتباتي جيدا…
    على العموم شكرا على التشجيع… 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: