Archive for 30 مارس, 2009

أسود و حملان!

مارس 30, 2009

لا علاقة للعنوان، لا من قريب و لا من بعيد، مع فيلم Lions for Lambs . فكل ما في الأمر أني استنجدت بعنوان الفيلم (في ترجمته العربية) لعله يكون مدخلا سهلا لي للموضوع.

منذ فترة ليست بالهينة و أنا ألاحظ أن كل تلك الأفكار، التي لا حصر لها، و التي كانوا حريصين أشد الحرص على حشوها في عقولنا الصغيرة أيام الصبى، أصبحت تتحطم كالأساطير على صخور الحقيقة.

لقنونا، أيام كنا نؤمن أن المعلم كاد يكون رسولا، أننا الضحية، أقصد الحملان الوديعة. حرصوا على أن نحفظ على ظهر قلب الآية: و لن ترضى عنك اليهود و النصارى حتى تتبع ملتهم. و قالوا لنا أن المخاطب هو أنا و أنت و هو، و لو أن ذلك غير صحيح. و نسوا أو تناسوا متعمدين أن يطلعونا على الوجه الآخر للعملة: لكم دينكم و لي دين… فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر. و لا داعي لأذكر باقي الآيات التي على هاته الشاكلة، فأظنكم تعرفونها أحسن مني.

الحاصل أنهم صوروا لنا الواقع بشكل لا يمت بصلة للواقع الحقيقي، فنحن الملائكة الطيبون، المساكين. و هم أي الآخرون- الشياطين الذين يقضون جل وقتهم في حبك المؤامرات و حفر المطبات لنا!

بطبيعة الحال، و لكوننا صغار و مغفلين إلى حد ما، فكنا نصدق أي شيء أو أي كان، فحينها لم نكن نعرف لا ديكارت و لا منهج شكه. كل ما كنا نعرف هو أن نحترم الكبير، و أن المعلم لا يخطأ أبدا.

بعد أن مرت السنين، و طرأت التغيرات، أو لنقل التطورات، و هذه طبيعة الحياة، فدوام الحال من المحال. فهناك من أعاد النظر في كل ما حشي به دماغه، فكنس من الأوساخ الكثير، و أظنه ما زال أمامه الكثير. و هناك من بقي على ما كان عليه، بل و زاد على ذلك الشيء الكثير، فأصبح بالتالي كما أريد له. و المسكين معذور، فما أن تتركه دروس الكراهية و البغض المغلفة بالدين حتى تتلفقه القنوات و الشرائط و الأقراص، و حتى الوعاض ممن لم يعد يخلو منهم مكان.

هذه من عقدنا التي لا تعد و لا تحصى، أو بتعبير آخر هذه من أمراضنا الخبيثة التي لم ينجو منها سوى القليل من المسلمين.

للأسف، أينما وليت وجهك إلا و تصادفك عبارات الكراهية. في الحافلة، المدرسة، الإدارة، المقهى… في كل مكان، و لا ننسى الإنترنت. هاته الأخيرة أكبر شيء يبين مدى حجم البؤس الذي وصلنا إليه، فكما هي عادتنا التاريخية مع كل وسائل التكنولوجيا، لا نستعملها إلا في توافه الأمور. إننا ذاك الغبي الذي يركز بصره على أصبع الحكيم عوض ما يشير إليه الأصبع!

آخر تفاهاتنا مجموعة على Facebook ، و اسمها يقول كل شيء، فكما قيل “الجواب باين من عنوانو”: تحداني مسيحي أن أجمع مليون مسلم في مجموعة واحدة.عنوان معبر!  و إلى حدود الآن وصل العدد إلى 123 161 مشترك.

في سطور قليلة كتب صاحب المجموعة وجهة نظره و سبب إنشاءه المجموعة، لكن مع ذلك لا يمكنني إلا أن أصف ذلك بالتفاهة للأسف. فما إن تبدأ في قراءة ما كتب على جدران المجموعة حتى تشفق على حالنا. فمن العربية مرورا بالفرنسية إلى الإنجليزية، بكل اللغات تكتب تفاهتنا. فمن عبارات الكراهية ضد اليهود (هل لدينا عقدة ما اتجاههم؟؟؟)، إلى جمل تأييد و أخرى تستنكر، و أحيانا هناك من يتحفظ على بعض الأشياء. الحقيقة كان الود ودي أن أقرأ كل ما كتب على الجدران، فأنا أستمتع كثيرا بذلك، لكن ذلك ليس في الإمكان لكثرة ما كتب. من أطرف ما قرأت: “انا شايف ان الموضوع وفكرة جمع مسلمين فى جروب مش وحشه بلعكس فكره فعاله واجابيه بس المشكله فى عنوان الجروب ممكن يتغير ويبقى حاجه اخره غير كد معا احترامى لئراء الاخرين والدين لله والفيس بوك للجميع” علينا القبول على الأقل بأن يكون Facebook للجميع كما قال الأخ، و مع متمنياتنا لأن يصبح الوطن أيضا للجميع.

استمتعوا بتفاهتنا 😉

Advertisements

هزلت..!

مارس 23, 2009

دلوني من فضلكم على جرائد “لايت”، أقصد جرائد خالية من رائحة السياسية. أو على الأقل جرائد تخلو من سياسة العبث و البؤس، التي نغوص فيها هاته الأيام. أعتقد أني في الطريق لإسقاط كلمة جريدة من قاموسي، بعدما أسقطت منها كلمة تلفاز فيما سبق. حقا أشفق على نفسي، و على أمثالي، فما إن نهم بإغلاق أفواهنا، حتى نفتحها من جديد لقراءتنا خبرا أغرب و أعجب من سابقه.

فهذا البشير تنهاه فتوى لهيئة علماء السودان من السفر إلى الدوحة لحضور القمة العربية المقامة هناك. و هذا أمير الكويت يحل البرلمان، الذي لا يفتح إلا ليغلق من جديد. أما في الجزائر، فمسرحية كوميدية ستبدأ لتوها، إذ أن الحملة الانتخابية الرئاسية قريبا سيعلن عن بدايتها، و لو أن الفائز معروف سلفا، يعني بحد تعبير أحد الإشهارات: “مول لمليح باع أو راح”! و لم يعد أمام الجزائريين سوى أن يرددوا مع الشاب خالد: “لله يا جزاير…”.

الأخ معمر، ما زال كما عهدناه وفيا لعادته، أي الإدلاء بتصريحات تصور صاحبها و كأنه سقط لتوه من المريخ. آخر رد فعل ضد العقيد كان مصدره إفريقيا! هزلت.. إفريقيا التي -أو بالأخرى كانت- من ماركاتها المسجلة الدم و الديكتاتورية أصبحت تعطي الدروس للعرب الذين ملؤوا الدنيا ضجيجا. هزلت يا أحفاد يعرب بن قحطان! يقول المسؤول الذي وصفته جريدة الشرق الأوسط، برفيع المستوى: “عندما يتحدث القذافي فإنه يقدم في الغالب طروحات ثقافية و تنظيرية أكثر منها مواقف سياسية عملية و قابلة للتطبيق”، و يضيف دائما على حد تعبير الجريدة: “أنه لو وافقت معظم الشعوب الأفريقية على تطبيق مقترحاته لعمت الفوضى و انتهى مآل القارة الأفريقية إلى أن تتحول إلى غابة من الأنظمة الديكتاتورية”. لكن ما الذي قاله العقيد حتى يضطر إلى سماع هذا الكلام؟؟ ببساطة، القذافي المترئس حاليا للاتحاد الأفريقي دعا إلى تغيير دساتير الدول الأفريقية لإتاحة الفرصة لبقاء حكامها في السلطة (الشرق الأوسط، الاثنين 23 مارس). يبقى شيء أخير يجب الإشارة إليه قبل أن أنتهي من موضوع القذافي، و هو أن الزعيم الليبي أصبح ينشر أيضا في نيويورك تايمز، يعني ولى زمن الامبريالية النزقة و الصهيونية الغربية… و الراس اللي ما يدور كدية!

أما هنا، أقصد في بلاد المغرب الأقصى كما علمونا في دروس التاريخ غير المأسوف عليها، فمع اقتراب الانتخابات الجماعية، بدأت التصريحات تنهال على المواطنين المساكين أمثالي، فها هو عبد الكريم بن عتيق الأمين العام لحزب العمل، و الذي أعذرك إن لم تسمع به سابقا، فساحتنا السياسية و كأنها أرنبة (لا أعرف هل هذا هو تأنيث أرنب!)  ولود، فقد تعدت رقم الثلاثة و ثلاثين حزبا منذ سنين.. في حواره الأخير مع مجلة نشان (العدد 193) صرح بن عتيق سيكتسح الساحة في المناطق القروية من خلال نساء حزبه المترشحات. قبل أن تذهب بك الظنون و أن تفكر بعيدا عزيزي القارئ، ابق قريبا و اعلم أن حزب العمل هذا لم يحصل سوى على خمسة مقاعد في الانتخابات البرلمانية السابقة!

حقا إننا في حاجة -كما قال صاحبا الأغنية- إلى جزء ثاني من أغنية “و كُولو باز“. إيوا بااااااز!

————————————-

أعتذر لغير المغاربيين إن لم يفهموا معنى كلمة “باز”، لا أعتقد -و هذا ليس اعتقادي لوحدي 🙂 – أن هناك مقابل لهذه الكلمة في اي من اللغات. يمكن الاستعاضة عنها بكلمة “هزلت” و لو أن المعنى ليس هو المعنى!

رسالة وردية -8 مارس

مارس 8, 2009

ما زالت قضايا زواج القاصرات في بعض المجتمعات العربية، لا تلقى آذانا صاغية من بعض رجال الدين و الافتاء الشرعي، لرفض ممارسة هذا العنف على الفتيات الطفلات، و المغلف باسم الزواج، رغم الدعوات المتكررة  من هيئات و جمعيات و عائلات مختلفة، إلى تجريم هذا الزواج القسري.

فقد تناقلت وسائل الاعلام رفض مفتي الديار السعودية تطليق فتاة قاصر في الثامنة من عمرها، بدعوى عدم وصولها سن البلوغ حتى تطلب الطلاق، و أنه ليس من حق أمها رفع الدعوى لأنها ليست وكيلة عنها. و في محاضرة عامة اعتبر المفتي أن كثيرا من الأمهات والجدات تزوجن في سنوات تتراوح من 10 إلى 12 و أن حياتهم سارت على ما يرام، و أن الذين يعتقدون بأن هذا التزويج في هذا السن، خطأ و غير عادل، هم مخطئون و أن هذه الدعوات ما هي إلا مبرر لزحف الليبرالية ليس إلا.

(مجلة لالة فاطمة، العدد 24 مارس 2009)

لا أدري سيدتي ما الجدوى من التعليق على الكلام أعلاه، فأي تعليق هذا الذي سيضيف شيءا ذي فائدة للخبر؟ إنه واضح وضوح الشمس في يوم صيف قائض، إن قمة الكارثة هي أن تكون أنثى قاصر، و في أرض عربية!  فالقاصر تُزوج و لا تُطلق. الأنثى عندنا غير كاملة الإنسانية، هذا إن اعتبرها البعض أن بها صفات إنسانية، إنها “شيء” يُورث، كما يُباع و يُشترى. يُقرر في مستقبله.. أما القاصر، فمرفوع عنه القلم كما قيل، أي لا عقل له المسكين! لندع هذا الكلام الآن، فالأيام طويلة و عريضة، و حتما سنجد لا فرصة واحدة، بل فرصا عديدة لفتحه من جديد.

اليوم سيدتي، يصادف الثامن من مارس، اليوم العالمي للمرأة. لا أعرف حقيقة، هل حرم هو الآخر أم ليس بعد. لكن ما همّ هذا. جاء الثامن من مارس، و لا بوادر أمل في الأفق، فحالنا هي الحال. شهريار ما زال يمارس هوايته التاريخية، و شهرزاد فضاعت في يوم من الأيام في إحدى الصحاري، و لم يظهر لها أثر بعد.

ما زال بعضنا سيدتي لم يحسم بعد في سياقة المرأة، و البعض يخلو برلمانه من نون نسوة، و الآخر الباقي يحافظ على التمثيلية النسائية بشيء اسمه “الكوطا”… و تعيش الديمقراطية!

أتعرفين سيدتي أنك أصل المصائب؟! الجفاف حل.. النساء مسؤولات. البطالة عمت.. النسوة سببها. السرقة تفشت.. المرأة المحرضة عليها. الحروب اندلعت.. فأنت أشعلتها.

اسمحي لي إن التاريخ شاهد على ذلك. خروج آدم من الجنة، كانت سببه حواء! أما المجاعات فالسبب كان أن النساء يلدن أكثر مما هو مطلوب! الاقتصاد “مضعضع” لأن أسهما أنثوية لعينة لعبت بذيلها، فوصلنا إلى ما نحن عليه الآن!

إن التاريخ محرف، و يا له من تحريف! الذكور ملائكة أخطأت طريقها نحو السماء، فما الحجاج إلا “أنثى في عباءة رجل”. و ما هتلر إلا “ثائرة على بنات جنسها”… و غير المحرف تعرفينه، بلقيس: “كافرة مشركة”. شجرة الذر: “مجرمة قاتلة”. سيمون دو بوفوار: “عاهرة، ألهت فيلسوفا كبيرا”. فروغ فرخزاد: “فاجرة، تقمصت دور صعلوكة”!!!

و سكت قليلا ثم قال: <إنما إذا كان أبو المرأة و أخوانها راضين فلا حيلة لأحد>

قلت له: <و لكن إذا كانت لا تريد الزواج..> و قاطعني قائلا: <أنت تعرف نظام الحياة هنا. المرأة للرجل، و الرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر>.

قلت له: <و لكن إذا كانت لا تريد الزواج..> و قاطعني قائلا: <في هذا العصر>.

و قال محجوب: <الدنيا لم تتغير بالقدر الذي تظنه، تغيرت أشياء. طلمبات الماء بدل السواقي، محاريث من حديد بدل محاريث من خشب، أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس. راديوهات. أوتومبيلات. تعلمنا شرب الويسكي و البيرة بدل العرقي و المريسة. لكن كل شيء كما كان>

(موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح)

صحيح المرأة للرجل، و الرجل يبقى رجل مهما حصل! أما هي فليس سوى “حرمة”، “ولية”، و “امرا”… إنها عورة يجب سترها، ناقصة عقل و دين. سبب الفتن، و التفسخ الأخلاقي. كان العالم سيعيش بسلام لو لم توجد في الأصل!

عذرا سيدتي، إن الواقع منْ يتحدث و لست أنا. المجتمع يفكر هكذا، رجلا و نساء. لا فرق، النساء عدوات أنفسهن، فما بالك بمعشر الرجال.

المرأة لم توجد إلا لبيتها، دورها ينحصر في الإنجاب و الخدمة!

العمل محرم، جملة و تفصيلا. إن لم تقتنعي بأن ذلك عادات أجدادنا، فيمكننا إيجاد حديث ضعيف -أو متفق عليه!- في أحد الكتب الثراتية.

لا أود أن أتعمق كثيرا، فعمل المرأة أصبح شيء واقعا، لكن لا بأس أن أن نستدل بمقولة قد توضح المستخبي. روي سيدتي عن ماركس أن قال: “من يسيطر اقتصاديا، يسيطر سياسيا”. لكِ بطبيعة الحال أن تحللي و أن تناقشي، أن تسقطي هاته على تلك، و أن تقيسي الشيء بالشيء.

إن المجتمع الذي يصوره لنا الفقه مجتمع مجزأ إلى أحرار و رقيق، ينقسم فيه الأحرار إلى أكفاء و محجورين، و الأكفاء إلى رجل و نساء و الرجال إلى حكام و محكومين… توجد المرأة المسترقة في الدرجة السفلى و يوجد في الدرجة اعليا الحاكم و هو بالضرورة ذكر بالغ عاقل.هذا سلم اجتماعي ينطلق من الأقل حرية و ينتهي إلى الأكثر قدرة على التصرف شرعا و في نفس الوقت من الأقل إلى الأكثر مروءة و عقلا.

(مفهوم الحرية، عبد الله العروي)

لم يقدر لنا بعد سيدتي الخروج من عصر جاهليتنا. صحيح، صفحة جاهليتنا الأولى طويناها منذ أربع عشرة قرنا، لكننا ما زلنا نعيش، منذ ذلك التاريخ،الشوط الثاني منها.

صحيح، الإسلام كرم المرأة، رفعها إلى مرتبة لا مقارنة بينها و بين ما كانت عليه. لكن شتان بين كرامة القرن السابع، و كرامة القرن الواحد و العشرين. شتان بين عصر الجواري و البغال و الحمير، و عصر حقوق الإنسان و نظرية النسبية. شتان بين إنسان ذاك الزمان، و إنسان هذا الزمان.

مقدر لنا أن نعيش حياة أجدادنا مستنسخة. لا تطور، لا زيادة و لا نقصان.

 لا أخفيكن، أتمنى أن يصبح هذا الثامن من مارس، ذكرى نسخر منها؛ أن يصبح يوما كالبقية، أن يتحول إلى تاريخ كان.. كنا نحلم فيه بحياة تقوم على المساواة بين البشر، بغض النظر عن أجناسهم…

إني أتمنى، و ما الأماني إلا أماني، “قد تتحقق و قد لا تتحقق”. أليس كذلك؟؟؟ 😉