رسالة وردية -8 مارس

ما زالت قضايا زواج القاصرات في بعض المجتمعات العربية، لا تلقى آذانا صاغية من بعض رجال الدين و الافتاء الشرعي، لرفض ممارسة هذا العنف على الفتيات الطفلات، و المغلف باسم الزواج، رغم الدعوات المتكررة  من هيئات و جمعيات و عائلات مختلفة، إلى تجريم هذا الزواج القسري.

فقد تناقلت وسائل الاعلام رفض مفتي الديار السعودية تطليق فتاة قاصر في الثامنة من عمرها، بدعوى عدم وصولها سن البلوغ حتى تطلب الطلاق، و أنه ليس من حق أمها رفع الدعوى لأنها ليست وكيلة عنها. و في محاضرة عامة اعتبر المفتي أن كثيرا من الأمهات والجدات تزوجن في سنوات تتراوح من 10 إلى 12 و أن حياتهم سارت على ما يرام، و أن الذين يعتقدون بأن هذا التزويج في هذا السن، خطأ و غير عادل، هم مخطئون و أن هذه الدعوات ما هي إلا مبرر لزحف الليبرالية ليس إلا.

(مجلة لالة فاطمة، العدد 24 مارس 2009)

لا أدري سيدتي ما الجدوى من التعليق على الكلام أعلاه، فأي تعليق هذا الذي سيضيف شيءا ذي فائدة للخبر؟ إنه واضح وضوح الشمس في يوم صيف قائض، إن قمة الكارثة هي أن تكون أنثى قاصر، و في أرض عربية!  فالقاصر تُزوج و لا تُطلق. الأنثى عندنا غير كاملة الإنسانية، هذا إن اعتبرها البعض أن بها صفات إنسانية، إنها “شيء” يُورث، كما يُباع و يُشترى. يُقرر في مستقبله.. أما القاصر، فمرفوع عنه القلم كما قيل، أي لا عقل له المسكين! لندع هذا الكلام الآن، فالأيام طويلة و عريضة، و حتما سنجد لا فرصة واحدة، بل فرصا عديدة لفتحه من جديد.

اليوم سيدتي، يصادف الثامن من مارس، اليوم العالمي للمرأة. لا أعرف حقيقة، هل حرم هو الآخر أم ليس بعد. لكن ما همّ هذا. جاء الثامن من مارس، و لا بوادر أمل في الأفق، فحالنا هي الحال. شهريار ما زال يمارس هوايته التاريخية، و شهرزاد فضاعت في يوم من الأيام في إحدى الصحاري، و لم يظهر لها أثر بعد.

ما زال بعضنا سيدتي لم يحسم بعد في سياقة المرأة، و البعض يخلو برلمانه من نون نسوة، و الآخر الباقي يحافظ على التمثيلية النسائية بشيء اسمه “الكوطا”… و تعيش الديمقراطية!

أتعرفين سيدتي أنك أصل المصائب؟! الجفاف حل.. النساء مسؤولات. البطالة عمت.. النسوة سببها. السرقة تفشت.. المرأة المحرضة عليها. الحروب اندلعت.. فأنت أشعلتها.

اسمحي لي إن التاريخ شاهد على ذلك. خروج آدم من الجنة، كانت سببه حواء! أما المجاعات فالسبب كان أن النساء يلدن أكثر مما هو مطلوب! الاقتصاد “مضعضع” لأن أسهما أنثوية لعينة لعبت بذيلها، فوصلنا إلى ما نحن عليه الآن!

إن التاريخ محرف، و يا له من تحريف! الذكور ملائكة أخطأت طريقها نحو السماء، فما الحجاج إلا “أنثى في عباءة رجل”. و ما هتلر إلا “ثائرة على بنات جنسها”… و غير المحرف تعرفينه، بلقيس: “كافرة مشركة”. شجرة الذر: “مجرمة قاتلة”. سيمون دو بوفوار: “عاهرة، ألهت فيلسوفا كبيرا”. فروغ فرخزاد: “فاجرة، تقمصت دور صعلوكة”!!!

و سكت قليلا ثم قال: <إنما إذا كان أبو المرأة و أخوانها راضين فلا حيلة لأحد>

قلت له: <و لكن إذا كانت لا تريد الزواج..> و قاطعني قائلا: <أنت تعرف نظام الحياة هنا. المرأة للرجل، و الرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر>.

قلت له: <و لكن إذا كانت لا تريد الزواج..> و قاطعني قائلا: <في هذا العصر>.

و قال محجوب: <الدنيا لم تتغير بالقدر الذي تظنه، تغيرت أشياء. طلمبات الماء بدل السواقي، محاريث من حديد بدل محاريث من خشب، أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس. راديوهات. أوتومبيلات. تعلمنا شرب الويسكي و البيرة بدل العرقي و المريسة. لكن كل شيء كما كان>

(موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح)

صحيح المرأة للرجل، و الرجل يبقى رجل مهما حصل! أما هي فليس سوى “حرمة”، “ولية”، و “امرا”… إنها عورة يجب سترها، ناقصة عقل و دين. سبب الفتن، و التفسخ الأخلاقي. كان العالم سيعيش بسلام لو لم توجد في الأصل!

عذرا سيدتي، إن الواقع منْ يتحدث و لست أنا. المجتمع يفكر هكذا، رجلا و نساء. لا فرق، النساء عدوات أنفسهن، فما بالك بمعشر الرجال.

المرأة لم توجد إلا لبيتها، دورها ينحصر في الإنجاب و الخدمة!

العمل محرم، جملة و تفصيلا. إن لم تقتنعي بأن ذلك عادات أجدادنا، فيمكننا إيجاد حديث ضعيف -أو متفق عليه!- في أحد الكتب الثراتية.

لا أود أن أتعمق كثيرا، فعمل المرأة أصبح شيء واقعا، لكن لا بأس أن أن نستدل بمقولة قد توضح المستخبي. روي سيدتي عن ماركس أن قال: “من يسيطر اقتصاديا، يسيطر سياسيا”. لكِ بطبيعة الحال أن تحللي و أن تناقشي، أن تسقطي هاته على تلك، و أن تقيسي الشيء بالشيء.

إن المجتمع الذي يصوره لنا الفقه مجتمع مجزأ إلى أحرار و رقيق، ينقسم فيه الأحرار إلى أكفاء و محجورين، و الأكفاء إلى رجل و نساء و الرجال إلى حكام و محكومين… توجد المرأة المسترقة في الدرجة السفلى و يوجد في الدرجة اعليا الحاكم و هو بالضرورة ذكر بالغ عاقل.هذا سلم اجتماعي ينطلق من الأقل حرية و ينتهي إلى الأكثر قدرة على التصرف شرعا و في نفس الوقت من الأقل إلى الأكثر مروءة و عقلا.

(مفهوم الحرية، عبد الله العروي)

لم يقدر لنا بعد سيدتي الخروج من عصر جاهليتنا. صحيح، صفحة جاهليتنا الأولى طويناها منذ أربع عشرة قرنا، لكننا ما زلنا نعيش، منذ ذلك التاريخ،الشوط الثاني منها.

صحيح، الإسلام كرم المرأة، رفعها إلى مرتبة لا مقارنة بينها و بين ما كانت عليه. لكن شتان بين كرامة القرن السابع، و كرامة القرن الواحد و العشرين. شتان بين عصر الجواري و البغال و الحمير، و عصر حقوق الإنسان و نظرية النسبية. شتان بين إنسان ذاك الزمان، و إنسان هذا الزمان.

مقدر لنا أن نعيش حياة أجدادنا مستنسخة. لا تطور، لا زيادة و لا نقصان.

 لا أخفيكن، أتمنى أن يصبح هذا الثامن من مارس، ذكرى نسخر منها؛ أن يصبح يوما كالبقية، أن يتحول إلى تاريخ كان.. كنا نحلم فيه بحياة تقوم على المساواة بين البشر، بغض النظر عن أجناسهم…

إني أتمنى، و ما الأماني إلا أماني، “قد تتحقق و قد لا تتحقق”. أليس كذلك؟؟؟ 😉

Advertisements

6 تعليقات to “رسالة وردية -8 مارس”

  1. vamprita Says:

    رسالة.. شائكة المظهر وردية الأبعاد ..
    démotiver pour motiver?

  2. مجرد أماني Says:

    1. لا أعلم ولكن اليوم هذا يُشعرني بـ “حساسية” مفرطة للنخاع ، فسّر ماتفسره ولكني أشعر أنه مبلغ الإهانة لي.. هل تركيبة عقلي “غير سويّة”!! ربما .. ولكن يوم !! يوووووم ياعالم!! وكأنني تحفة حجرية عجائبية كـ”أسطورة” خرافية يتذكرونها في يوم مااااا أو حتى يستعيذون منها 😀 … لا علينا ولكني أعترض 😀

    2. لا نحتاج يوما لنصرخ فيه وليُسمع لنا … نريد الآذان صاغية لنا دائما…

    3. أوتعلم أنك قد دسست عبارة ذهبية بين أسطرك (النساء عدوات أنفسهن) .. وأنا أشهد ولا أبلغ من ذلك…
    بمجرد أن تنطق المرأة.. وتتحرر من “خوف ماااا” أجهله شخصيا… -زرع معنا منذ الولادة بحجة أن المرأة يجب أن تنكتم وتتنيل على عينها وتضحي وتموت لرفاهية جنس بشري أعتقد”خطأ” أنه ملائكي- كما قلت بمجرد أن تتحرر من هذا الخوف… فهي بنفسها قادرة على اعتلاء عرش “الحرية” ((((المحمودة)))) -ملاحظة/ليست أيّ حرية تدعى حرية-

    4. الاسلام ضمن للمرأة حقوقها كاملة مكملة وهو صالح لكل ((((زمااااان)))) ولكن بالطبع يجب أن نأخذ بالاعتبار -كما ذكرت- تغير واقعنا عن السابق وبالتالي نجاريه دون حتى أن نتعرض لمساس أو جدال في موضوع تعارض تعاليم الدين مع الواقع … المشكلة هنا هو شدة التزمت وعدم الفهم (((ليسر))) التعاليم الدينية …
    بمعزل عن “اليسر” فإن الرجل تسيطر عليه فكرة “المحرم” ليس كحفاظا على المرأة مع الاحتفاظ بكامل حريتها في التفكير والاختيار بل كـ”مسيطر” هنا بالضبط منبع الخلل الذي التبس على الكثير… أنت محرمي على عيني وراسي ولكن أبدا لست قائدا لعقلي ولست موجها لخياراتي …. لي كامل الحرية أن أكون “إنسان” ذو تفكير مستقل منعزل عن تفكير الرجل.

    5.إني أتمنى، و ما الأماني إلا أماني، “قد تتحقق و قد لا تتحقق”. أليس كذلك؟؟؟
    ((وهو كذلك))
    تدوينة وردية حماسية أيقظتني… سأذهب قليلا و “قد” أعود
    د م ت بود

  3. عصام Says:

    هنا تدوينتان كما يبدو..
    رأي أسامة القاتم كالعادة مبني بإحكام، وما شدني أكثر هو رد مجرد أماني..
    لو أن هنالك العديد من النساء بهذا البعد العميق لتغيرت أمور عدة..
    أين الراقصات الفرحات المتأثرات بهذا اليوم؟..

  4. زجاجة عطر Says:

    أصبحت المسألة تسويق أكثر من مجرد مطالبة بحقوق .

  5. محفوظ أبي يعلا Says:

    مرحباً ..

    موضوع مهم . أتدري !
    أحس أن التاريخ يدور دورته المُعتادة ..
    ففي الماضي السحيق كانت ” الأنثى ” إلهة .

    شخصياً أرى أن المغرب قطع أشواطاً كبيرة في قضية المساواة
    بين الجنسين , مقارنة ببعض الدول العربية الّتي
    لازلت تعالج مطالب المرأة بمنطق القرون الوسطى .

    ختاماً , لازلت أتوق , مثلك , إلى حياة تعمها المساواة بين البشر .

    تحياتي .

  6. أسامة Says:

    @ سيرين:
    😛

    @ أماني:
    أكيد، أنتن تحتجن آذانا صاغية طيلة الوقت، و ليس ليوم واحد فقط…
    لست مختلفا معك: الاسلام صالح لكل زمان و مكان، لكن قد أكون مختلفا معك في فهم المقولة… المشكل أن الإسلام أُريد له أن يُفهم بطريقة واحدة، و أن ينظر إليه بنظرية تغوص في الماضوية!
    دمتِ بود كذلك، و مرحبا بك وقتما تشائين 🙂

    @ عصام:
    شكرا على الإطراء، على القاتم و ليس المبني بإحكام بطبيعة الحال 😀 ، بالنسبة لسؤالك، أظنك شاهدتهن في نشرة أخبار الأولى -المملة- 🙂

    @ زجاجة عطر:
    أحيانا….!

    @ محفوظ:
    نعم، مقارنة مع الدول العربية قام بقفزة نوعية…. لكن إجمالا لا…، للأسف؛
    الماضي السحيق! لا أعتقد، فالأمازيغ إلى حدود القرن السابع ميلادي ما زالت المرأة تتبوأ لديهم مراتب عالية: ملكة و قائدة الجيش!
    شكرا لك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: