قلتم إعجاز علمي؟!

قد يزعج رأيي هذا المؤمنين المنساقين وراء عواطفهم (لاحظ معي أن حددت!)، لكن هذه دعوة لاستحضار العقل عوض الانسياق وراء العواطف، علّنا نتفادى السقوط من عليّين، أو الاستيقاظ يوما على الحقيقة المُـرّة التي تجاهلناها باستمرار.
ليس القرآن كتاب فيزياء، و لا كتاب طب. كما أنه لا يحمل بين طياته سياسة اجتماعية و لا اقتصادية. القرآن كتاب روحي، و أي إقحام له، و لو بحسن نية، في أمور لم و لن تكون من اختصاصه هو إلحاق ضرر به و ليس شيءا آخر.
قبل سنوات من الآن، أو ربما قبل عقود، ظهر ما يسمى “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم”، الحقيقة لا أعرف ما (أو من هو) أصل هذه الموجة الجديدية. بخلاصة سريعة، يمكن أن أقول أن “الإعجاز العلمي…” هو نظريات (أعيد: نظريات!) علمية موجودة في القرآن على شكل آيات القرآن. أي أن المهتمين بهذا المجال، يبحثون بين ثنايا كتاب الله عن آيات يربطونها بنظريات علمية موجودة (أعيد: موجودة!) و بعدها يقولون: هذه عظمة القرآن، لقد تنبأ بكل ما وصلتم له أيام كانت البشرية تغوض في الجهل. إنه العبث! عفوا، إني لا أرى في المسمى إعجازا علميا في القرآن سوى خزعبلة من خزعبلاتنا الكثيرة.
من الأشياء القليلة التي يتفق عليها العلماء المعاصرون، سواء كان علمهم نظريا أو تطبيقيا، أن النظرية نسبية مهما كانت نسبة الإجماع حولها. بتعبير آخر، إن النظرية العلمية يمكن أن تكون في صباح اليوم صحيحة، و قبل أن يأتي مساء اليوم نفسه تصبح خاطئة يضرب بها عرض الحائط، و العكس صحيح. (بتعبير ثالث، إنها لا تتصف بالخلود، و هذا ما يجعل العلم المعاصر قويا لهذه الدرجة).
من هنا يظهر أن الربط بين إحدى الآيات و إحدى النظريات العلمية، يشبه اللعب بالنار بالقرب من برميل بارود. لماذا؟! لأن المنطق يقول أنه عندما يثبت خطأ النظرية العلمية، هذا يعني آليا خطأ الآية التي تؤكدها في نظر المؤمنين بالعلم اللاهوتي. و أظن أن هذا الأمر مرفوض من قِبل أي مسلم عاقل.
إنه لعبة، لا يمكن أن تنتهي إلا برابح و خاسر. و بعدها ليس من المعقول أن نقول للعالم: عفوا، تجاربكم لم تناسبنا و إننا نسحب كل ما سبق و قلناه! إن ذلك شبيه بلعب الأطفال، مع اعتذاري للأطفال.
دعوني أقول أن العلم هو دين البشرية الجديد، و كل من يقف في وجهه مآله لا محالة التهميش و النسيان. إذن لا مفر من التفريق بين العلم و الدين، على الأقل خشية السقوط فيما لا تحمد عقباه.
هناك أخبار -التي لا أعرف مصادرها بطبيعة الحال!- تقول أن المعهد الفلاني المهتم في بالبحث في كذا… أو الجامعة العلانية المشهورة التي تهتم بعلم كذا، فتحت قسما للبحث عن أي نظريات جديدة محتملة بين آيات الكتاب. لا أعرف هل مثل هذه الأخبار صحيحة، أم أنها إشاعات للإستهلاك الداخلي. و حتى إن افترضنا جدلا، أن كل ذلك صحيح، فإنها لا تدل على صحة “الإعجاز العلمي…”، لأن ذلك ليس دليلا بالمرة، فهؤلاء الناس يضعون أي شيء مهما كان تافها تحت التجريب.
ربما لا داعي لأذكّر أن كل النظريات التي وُجدت لها صورها في القرآن، نظريات كانت موجودة. بتعبير آخر العلم هو من توصل إليها أولا، ليعمل إخواننا في إعادة قراءة القرآن و ليطلعوا علينا باكتشافاتهم الباهرة. انتهاجا لهذا المنطق، شخصيا لا يمكنني أن أتفاجأ.. بل و أقبل إن ربط أحدهم في المستقبل بين أساطير اليونان أو الفراعنة و بين النظريات العلمية.
البعض يفسر انتهاج بعض العلماء -علماء الدين على الخصوص- لهذه الطريقة، رغبة منهم في دفع أي إحساس بالضعف و الانحسار عن المسلمين، و ايضا رغبة منهم في الاستدلال على صحة الإسلام بدلائل علمية -خصوصا و أن العلم لغة العصر-. عفوا، إن لي رأيا آخر، أو بالأحرى قراءة أخرى لكل ما يجري. إن هؤلاء العلماء أول من يحصون في لاوعيهم بالضعف. العقل يقول أني إن كنت مؤمنا حقا بمعتقداتي، لا يمكنني أن أحتمي بأشياء أعرف أنها غير صحيحة، و لو كنت المسلم الوحيد فوق الأرض. إن من يفعل ذلك ليس سوى الضعيف، الذي أحس بقرب نهايته و بالتالي فهو يسرع من حفر قبره بدون وعي منه. و حقا أتمنى أن أكون مخطئا هنا، و ألا يكون هناك أحد يحس بضعفه.
أعرف أننا لم نصل بعد إلى مرحلة متطورة، لنقتنع بالعقل فقط أن علينا ترك ما لله لله، و ما لقيصر لقيصر، و في حالتنا هاته ما للعلم للعلم. و أعرف أيضا أن البعض لا يقتنع بأمر إلا إن جاء مقرونا بأقوال عدد من علماء الدين. و هذا من أخطاءنا المتوارثة، إذ أننا ما زلنا، و نحن في القرن الواحد و العشرين، لم نتعود على التفكير في أمورنا بعيدا عن المسجد.
لا بأس، سأستعين بكلام عالم دين واحد فقط، لعلنا نتعلم التفكير بعقولنا عوض أن يفكر الآخرون لنا… يقول جمال الدين الأفغاني (القرن التاسع عشر!): إن الدين يجل عن مخالفة العلم الحديث، فإن وقعت المخالفة وجب تأويل الدين.
في الأخير، لا يسعني سوى أن أذكر أن زمن الانحطاط الأوربي كان وقت صبغت جميع المجالات بالدين، و أن احتكار الكنيسة للعلم كما للسياسة من نتائجه المباشرة كان الإلحاد و اللادينية، أو أنه على الأقل سرع بانتشارهما. إن أوربا -و هي قمة الهرم الآن- لم تصل إلى تفوقها على جميع شعوب العالم إلا عبر انتزاع العقل البشري من براثن العقل اللاهوتي [محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني]. أفلا نعتبر؟!
سؤال أخير يا إخوان: متى كان علماء الدين يفهمون في فيزياء النانو؟!!
بطبيعة الحال لا أنتظر جوابا!

Advertisements

2 تعليقان to “قلتم إعجاز علمي؟!”

  1. محمد Says:

    “إقحام القرآن (ككتاب روحي قبل كل شيء) في أمور ليست من تخصصه هو إلحاق ضرر به..”
    لا! الأصح أن إقحام القرآن في أمور ليست من تخصصه هو محاولة بائت بالفشل من الباحث، و لا تضر بالقرآن شيءا. القرآن مستقل بذاته عن أي محاولة فهم قد تصيب أو تخطئ، بمعنى: التفسير (و الإقران في حالتنا) هو المعرض للخطأ، القابل للتجديد، التجاوز، الحذف و الإبتكار، أما أصل هاته المحاولات البشرية فمنزه عن أي ضرر. تماما كذكرك للنظرية العلمية المفسرة لظاهرة طبيعية مثلا، إن أخطأ العالم في النظرية فالخطأ في إبداعه لا في الظاهرة الطبيعية بحد ذاتها، نظريته قابلة للتجديد أو إعادة الصياغة و لم لا تجاوزها مطلقا، الأمر مقرون بكفائة من بعده فقط، لا يضير الظاهرة الطبيعية شيءا.

    “الإعجاز العلمي هو نظريات علمية موجودة في القرآن..”
    من قال هذا؟ النظريات العلمية التي حاول بعض الباحثين استقرائها من القرآن هي عمل مواز مستنبط من كتاب سماوي، لا غير. إن كان مجهود باحث فيما يخص مقاربة بديهية حالية (كنظرية علمية مثلا) بكتاب سماوي أوصل لنتيجة مقبولة حاليا، فهذا يعني قدرة الباحث على إيجاد تماثل للمعنى بين حاضرنا و بين كتاب سماوي، هذا التماثل (المبني على جهد بشري) معرض للإنهيار يوما ما مما يعني إعادة النظر في مجهود الباحث: المقاربة. لا يعني بتاتا خطأ الآية بقدر ما يعني خطأ محاولة التفسير التي تحتاج لتجديد.
    و كما هو معلوم، لا يحتوي القرآن الكريم على أية عبارات صريحة عن نظرية علمية أو واقع معاش، بقدر ما يحتوي على عبارات قابلة للتفسير المجدد و التأويل المقارب لكل عصر، و هذا ما يجعله معجزا بحد ذاته. فكثير من الإشارات القرآنية التي تشير لظواهر علمية فسرت من قبل علماء في العصور الغابرة، و قد كان التفسير منطقيا بحجة ذلك العصر، أما الىن فتبين علميا خطأ ذلك التأويل، أيعني هذا خطأ النص القرآني؟ كلا! بل خطأ التأويل الذي يحتاج لتجديد، و العجيب في الأمر قدرة نفس التعبير القرآني على احتمال الواقع العلمي الحالي، و هذا الذي يعجز علماء هذا الزمان. قد تمر قرون ليتوصل العلم لأمور مناقضة لما نعتبره مبادئ علمية مبدئية حاليا، مما يعني خطأ التفسير الحالي، لكن بعودة و مجهود لتحري الأصل سنجد حتما قدرة التعبير القرآني على احتمال المنطق العلمي يومها، و التجربة العلمية على مر التاريخ تؤكد هذا.

    “دعوني أقول أن العلم هو دين البشرية الجديد، و كل من يقف في وجهه مآله لا محالة التهميش و النسيان. إذن لا مفر من التفريق بين العلم و الدين”
    و كل من يقف في وجه العلم (و المقصود الدين) مآله التهميش؟ الدين لم يقف يوما في وجه العلم! صحيح أن هناء علماء دين وقفوا (و سيقفون) ضد العلم، نعم، لكنهم لا يمثلون الدين بأكمله بقدر ما يمثلون نظرتهم الشخصية للعلم من زاوية الدين، لا غير.
    التفريق بين العلم و الدين يستلزم تعاكسهما، لكن في حالتنا: أين هو التعاكس بين الدين و العلم؟ الإسلام لم يدعو لتجنب العلم فكيف يعاكسه، بل و لدينا من الآيات القرآنية الحاثة على طلب العلم ما يكفي كل معارض. بعكس أديان سماوية أخرى فقدت مصدرها التشريعي الأصلي فاستحدث في الدين ما ليس له، فكان أن ضاد الدين العلم مما استوجب التفريق بينهما، و هذا ما حدث للمسيحية في أوربا أيام نهضتها، نعم كان الدين (دينهم) معارضا للعلم و مشجعا على تجنبه، و لم يكن الخطأ خطأ المسيحية بقدر ما كان خطأ من يمثلها: رجال الدين المسيحيون الذين صاغوا المسيحية قالبا يلبي أطماعها. إندثار الأصل و اقتران المستحدث بالدين على مر القرون صبغ دينهم بصبغة معادية للعلم مما استوجب فصلا بينهم لضمان إقلاع علمي و معرفي حصل فعلا، و تقدمت أوربا.
    أين هذا من الإسلام؟ نواة الإسلام لا زالت في منآى عن تغيير رجال الدين، صحيح أن ما نعتبره نحن “إسلاما” تعرض لعدة تغييرات على مر العصور، و كان أن عادى العلم مرات و مرات، لكن الأصل بيدنا و لنا حق العودة إليه دوما، الشيء الذي يجدد الإسلام و يضحد أي تأويل لم يأت به الإسلام: العودة للإسلام كما أنزل، أي الإسلام الذي لم يحارب العلم.

    مقاربتك لاستنباط العلم للنظريات بين استخلاص من قرآن و من تراث فرعوني ليست في محلها، في أيامنا هاته يعاد إكتشاف نظريات علمية كانت معروفة لدى الفراعنة زمانهم، و لم نصل نحن لها إلا الآن بعد أن أكدها البحث العلمي، نفس الشيء قد يحدث لاستنباط من القرآن الكريم، هنا التشابه جائز فأقرنت النتيجة.. لكن، هناك فرق: الوصول لنظرية علمية من تراث فرعوني قابل للأخذ و الرد، فالتراث الفرعوني نفسه ليس إلا مجهودا بشريا من منظور عملي في زمانهم، مما يعني احتمال التراث الفرعوني للخطأ، بينما الوصول لنظرية علمية من القرآن قابل للأخذ و الرد في طريقة تفسيره فقط، لا في القرآن بحد ذاته، فالمجهود البشري هنا هو محتمل الخطأ و الصواب، و المنطق أكد استيعاب القرآن لاحتمالا متعددة كانت منطقا علميا كل لزمنه، و هو ما يجعله معجزا في ذاته، نائيا عن كل محاولة علمية لربطه لنظريات قابلة للخطأ منطقيا.


    لقد أتعبتني يا أسامة 🙂 النصف الثاني من تدوينتك لدي بعض التعقيبات عليه، لي عودة..

  2. sami Says:

    ببساطة ليس الأمر كما تقول بتاتا .. فالقضية ليست إعادة بحث في القرآن لكل نظرية تظهر ثم نلوي أعناق الآيات لتناسب كل نظرية !
    بل الحقيقة هي أن هناك آيات لم تفهم معناها .. في العصور القديمة تم تفسيرها بما بلغهم من العلم .. و عندما ظهر العلم الحديث فسرناها بما صح و بلغنا من العلم .. و هي في كل الأحوال (أي آيات القرآن) ليست نظريات و لا قوانين علمية مجردة بل هي كلام الله تدفعك إلى الإيمان بتذكير الناس بقدرة الله و أنعمه و قوته و خلقه و إبداعه إلى آخر ذلك .

    و مع ذلك فإن جزئية أن يظهر خطأ في تفسير آية فهذا “جهد بشري” .. و على ذلك سيكون الخطأ هو خطا بشري و ليس خطأ أن القرآن يجب أن يفصل عن العلم .. بل العلم بلا أخلاقيات القرآن ليس علما يستفاد منه دنيويا و أخرويا.
    لذا فليحصر موضوعك إلى ترشيد عملية الإعجاز العلمي وأن يكون هذا بوابة لنا للعلم و إضفاء الروحية و الإيمان إليه لكي ننتشل العلم الذي هو نور من الله من براثن المادية إلى هدفه الحقيقي (إنما يخشى الله من عباده العلماء) إذن لا تفريق بين العلم و الدين .. كلما زاد العلم زاد الاهتداء إلى الله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: