شعار الحرية

الظاهر أني سأصيبكم بالدوار هذه الأيام؛ مهما يكن فهو شعور جميل 😀

هذا مقطع جميل يبين إلى حد كبير قدر البؤس الذي نعيشه. إنه صورة مصغرة لواقعنا. و سيكون أمرا رائعا اعتباره بمثابة مدخل لهذه التدوينة.

مفهوم الحرية، كتاب لعبد الله العروي، و هو الأول في سلسلة المفاهيم التي أصدرها المؤلف. و أيضا هو أول كتاب أقرؤه للعروي. الكتاب رائع، أنصح به لمن أراد أن يحيط بمفهوم و شعار و تجربة الحرية، عند العرب و الغرب. (أعدكم بأني سأنزل اقتباسا من الكتاب، مُجازاتاً لكم لاستحملكم لكآبتي.. 🙂 لكن لن يكون ذلك هنا).

شدني في الكتب استنتاج عميق، و هو يخص عرب اليوم، لأنهم هم من يهمونني في المقام الأول هنا: “إذا كانت كلمة الحرية جارية على ألسن عرب اليوم فمفهومها غير واضح و لا راسخ في أذهانهم و واقعهم غير محقق في سلوكهم” (ص105، مفهوم الحرية، الطبعة6). هذا أمر نعيشه يوميا، و أكيد أنكم لاحظتم ذلك. لا فضل في ذلك بين الإسلامي و الليبرالي أو الاشتراكي… أو الفوضوي! الكلام شيء و السلوك شيء آخر.

الإسلامي يعتبر الحرية معاداة لمشيئة الله، و هو يرى فيها تفسخا أخلاقيا و دعوة للفجور.. و الحرية لديه مرادف للشذوذ الجنسي، الدعارة، و الكفر و الزندقة… إلخ. لكنه لا يتوانى في الإستنجاد بهذه الحرية كلما تعرض لمضايقة أو وضعت أفكاره أمام مسائلة كيفما كانت.

الاشتراكي/الشيوعي لا يختلف كثيرا عن سابقه. إذ يرى هو الآخر في الحرية مؤامرة ضد الطبقة الكادحة، و موجة للتغرير بالجماهير. و يعتبرها، أي الحرية الشخصية، محاولة لهدم النظام الشمولي الذي يأمل بناءه. لكنه ما إن يتعرض إلى منع أو استدعاء للتحقيق حتى يستخرج كل شعارات الحرية التي يحتفظ بها في صندوق عتيق!

نفسه الأمر بالنسبة لليبرالي… مبدأ و منتهى الحرية هو شخصه. و كأن الحرية خلقت له فقط.

سنوات وعيي القليلة علمتني أن من يتسابقون على رفع شعارات الحرية هم أول من يحاولون قتلها و دفنها داخل الشخص. أنا أيضا عانيت من هذه المشكلة، فأنا على كلّ ابن هذه الأمة (هذا المجتمع)، و كان صعبا علي فهم ماهية الحرية، هذا إن افترضنا أني أفهمها جيدا حاليا.

لا أود أن أكون متشائما، لكني لا أعلم إلى متى سنبقى على هاته الحال. لأنه لا يكفي أن نكون مبهورين بأمريكا أو فرنسا (أو نعيش فيهما حتى) لكي نحترم حرية الآخر. تربيتنا قامت على ذلك: على الجميع أن يعبدوا نفس الإله، أن يؤمنوا بنفس الأفكار، أن يلبسوا نفس اللباس و يشجعوا نفس الفريق. أن يكونوا نسخا متطابقة. و من يخرج عن الجماعة، فهو شيطان رجيم.

– هل صعب احترام اختيارات و أفكار الآخر؟؟

– شخصيا لا أظن ذلك.

——————————————————

تعرفت على سلسلة “ما في أمل” عن طريق مروان، لذلك فالشكر واجب له.

Advertisements

4 تعليقات to “شعار الحرية”

  1. حمود عصام Says:

    يا عيني.. هذا الكلام ولا بلاش..
    تؤرقني كثيرًا مسألة الحرية.. المصطلج المائع المبهم..
    مثلاً أنا مقتنع بحرية الأشخاص في قناعاتهم ومعتقداتهم.. لكنني حين أفكر في مسألة ماذا لو أن الجزائريون تحولوا إلى ديانة أخرى كيف سيتم قبول هذا وكيف سيتم تنظيم هذا الأمر؟؟؟..
    ماذا لو زاد عدد الملحيد “مثلا” مع أنه ليس لدي أي مشكلة معهم.. ماذا سيترتب عن هذا داخل المجتمع نفسه ما التغييرات التي ستترتب عنه..
    نحن مجتمع ليس مثل المجتمع الامريكي الذي بسبب حداثته بسرعة تأقلم مع الوضع.. أما نحن فلدينا موروثات ومسلمات ومعتقدات تحول دون هذا.. ليس معنى هذا أنني أشجع الإلحاد أو التحول إلى ديانة أخرى ولكنني مادمت مقتنعا بحرية الاعتقاد وديننا يؤكد هذا فهنا أجدني مضطرضًا لطرح هذه الأسئلة.

  2. Lady No Man Says:

    أتفق معك في ذلك ولا أعتقد أنه سيأتي الزمن الذي نحترم فيه أراء وأفكار مخالفة لما نؤمن به لأننا ببساطة نعتقد أننا نحن في الصراط المستقيم ومن يخالفنا شيطان رجيم.
    أعلم أني مبالغة جداً في تشائمي لكن لن تكتب الحياة للحرية في عالمنا العربي إلا حينما نتخلص من فكرة أنا على حق وغيري على خطأ.

    سأذهب لأكمل متابعة السلسلة 😀

  3. بحر الشوق Says:

    جميل جدا

    بالتوفيق

  4. عن الحرية و ما جاورها « جدار العار Says:

    […] حمود في تعليق له على إحدى التدوينات السابقة: “ماذا لو تحول الجزائريون إلى ديانة أخرى..؟ ماذا لو […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: