Archive for 23 يوليو, 2009

عشر سنوات من الحكم

يوليو 23, 2009

نحن الآن في 23 يوليوز سنة 1999، إنها نهاية مرحلة و بداية أخرى جديدة. يومها أعلن عن وفاة الملك الحسن الثاني، الذي حكم المغرب لمدة ناهزت 38 سنة، ليتسلم مقاليد الحكم بعده ولي العهد الأمير محمد؛ مات الملك.. عاش الملك!

مرت الآن عشر سنوات على ذلك. أي تقريبا ربع مدة حكم الحسن الثاني… مرحبا بكم إذن في مملكة محمد السادس.

* الحسن الثاني.. ليس في الإمكان أحسن مما كان

<<الحسن الثاني كان ضحيتنا، كما كنا ضحيته>> بهذا المعنى قال في أحد الأيام المؤرخ عبد الله العروي. كلام العروي صحيح إلى حد كبير، فالكثير من قرارات الحسن الثاني يمكن تصنيفها في خانة ردود الأفعال التي لم يكن متاحا غيرها في تلك الفترة.

لم تكن معتقلات “تزمامارت” و “درب مولاي الشريف” و “الدار الحمرا”..، سوى ردود فعل على حماقات اقترفها كل من العسكر و اليسار، اللذين كانا يودان الإطاحة بنظام الحسن الثاني. و حتى الاهتمام الزائد بالتعليم الأصيل و إهمال العلوم الاجتماعية و السوسيولوجية و الفلسفة.. إلخ، لم يكن سوى رد فعل لكبح جماح اليسار المتطرف وقتها.
تعتبر المعتقلات السرية من النقاط السوداء القاتمة في فترة حكم الحسن الثاني، و التي طالما نفى وجودها فوق تراب بلاده. و مع ذلك لا يمكن إثبات أن تلك الانتهاكات الخطيرة كانت تمارس بمباركة الملك، أو على أقل تقدير بمعرفته. لكن هذا لا يعني إخلاء مسؤوليته منها، فكما ذهب إلى ذلك عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي السابق للحسن الثاني، في شهادته أمام هيئة الإنصاف و المصالحة، إلى أن الحسن الثاني مسؤول أخلاقيا عن الانتهاكات بصفته رئيسا للدولة (الجريدة الأولى، 28 ماي 2008).

لم تكن اختيارات الحسن الثاني، و بشكل كبير السياسية، جيدة. لكنها في المقابل كانت الأقل سوءاً. فالبدائل المتاحة ساعتها، كانت تبدو أمامها مَرارة الملك حُلوَة. أول البدائل المتاحة هم العسكر، الذين قاموا بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين بشكل علني. الشيء الوحيد الذي كان يحرك العسكر هو الطموح الشخصي، و الرغبة في المسك بدفة الحكم. و لم يكن مستبعدا، لو نجح أحد الانقلابي، دخول المغرب في دوامة من الانقلابات، كتلك التي دخلتها الجارة الجنوبية للمغرب: موريتانيا.
اليساريون كانوا البديل الثاني، الذي أثبت التاريخ أنهم ينقسمون إلى قسمين لا يرجى خير من كليهما، الأول مكون من مجموعة من الانتهازيين، طموحهم هو المشاركة في “كعكة” السلطة، لا أقل و لا أكثر. و الجزء الثاني، الذي يجب الاعتراف لأصحابه بملكة “الخيال الواسع”، بدوره ينقسم إلى قسمين: الأول قام بتراجعات و تخلى عن أفكراه القديمة التي اقتنع، أخيرا، أنها لا تنطلق من الواقع، زيادة على أنها وليدة الاندفاع و التهور. أما الجزء الآخر، و هو القلة القليلة المتبقية، فما زال يسير على نفس الطريق، من تغَنٍّ على الأطلال و عيش على الخيال.

لم يكن الحسن الثاني ملاكا، كما لم يكن شيطانا. له ما له و عليه ما عليه. كانت له أخطاء كارثية، كما كانت له نقاط بيضاء ناصعة، أوصله إليها حدسه التنبئي. يحسب للحسن الثاني ميله للمعسكر الغربي عوض الشرقي، أي اختيار الليبرالية، و لو أنه لم يتقيد بأغلب شروطها. و كذلك اختيار سياسة فلاحية، و لو أنها فلاحة لم تحقق أبدا الاكتفاء الذاتي، مع بناء السدود عوض الانسياق وراء جنون البحث عن آبار البترول و الغاز التي قد توجد أو لا توجد.
و أيضا بناء، أو إتمام بناء، الدولة الحديثة، سيراً على منهج مهندسها الأكبر الماريشال ليوطي. بناء المغرب الحديث، لم يكتمل إلا مع القضاء على نفوذ القبائل و القياد و الأعيان، أي تقوية نفوذ “المخزن”، و هذه كانت من الأمور المهمة التي تحسب لعهد الحسن الثاني. كان هذا الأخير يتمتع بسلطوية و استبداد غير طبيعيين، لكن مع ذلك فقد حافظ على التعددية الحزبية، عكس العديد من الدول العالمثالثية.
أربعين سنة تقريبا و البلاد تحت حكم الحسن الثاني، ليخرج بعدها المغرب من عهده باقتصاد منهك، تعليم مفلس، فلاحة تقليدية لا تلبي حتى نصف احتياجات البلاد، نسبة فقر عالية جدا، شعب نصفه أمّي و ربع مما تبقى غير واعٍ، سمعته على مستوى حقوق الإنسان ممرغة في الوحل، و أحزاب سياسية تنتظر إعلان وفاتها، و كذلك فراغ رهيب على المستوى الدبلوماسي… هذه هي تركة الحسن الثاني!
بعد مرور عشر سنوات على وفاة ملك، و حكم آخر جديد، هل تخلصت البلاد فعلا من الخاتم الحسني المطبوع على جبينها؟! ربما قد يكون الأمر صحيحا بالنسبة للشكل و الأسلوب، أما المضمون فلا.

* عهد جديد.. إنها تدور!

في آخر خطاب ألقاه الملك الراحل، في مارس 1999، سطر الملك الحسن الثاني الخطوط العريضة للمجالات التي يجب التركيز عليها للدفع بعجلة الاقتصاد و التنمية، و لتحسين ظروف عيش الطبقة الفقيرة.

نفس الخطوط التي سطرها الحسن الثاني، هي تقريبا التي ركز عليها نجله محمد السادس أثناء فترة حكمه: تشغيل الشباب و من تم القضاء على البطالة، الاهتمام بالسكن الاجتماعي، فك العزلة عن العالم القروي، بناء الطرق السيارة، إعطاء الأولوية للري و بناء السدود، خلق شبكة قوية للصيد و البحري و بناء الموانئ… كل هاته الأمور هي العمود الفقري لما يسمى بالأوراش الكبرى.
لقد مثَّل اعتلاء الملك الجديد العرش أملا لدى الكثيرين في التغيير، و في الدفع قدما بعجلات عدة مجالات كانت متوقفة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية… إلخ. و فعلا، جاءت الشهور الأولى التي قضاها محمد السادس ملكا، لتؤكد و تقوي الآمال المعلقة عليها. كانت أول الخطوات التي اتخذها الملك، هي رفع الإقامة الجبرية عن عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل و الإحسان. و السماح لأبراهام السرفاتي، أحد الأعضاء البارزين لمنظمة “إلى الأمام” السرية بالرجوع إلى أرض الوطن. ليَلي ذلك بعد أسابيع قرار تنحية إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد الحسن الثاني من منصبه. كانت الثلاث خطوات السابقة، إشارات قوية على أن التغيير آتٍ لا محالة، ليؤكد ذلك وضع محمد السادس لإدريس بن زكري، أحد المعتقلين السابقين في سنوات الرصاص، على رأس هيئة الإنصاف و المصالحة في يناير 2004.

لكن قبل 2004 تلك، بدأت الشكوك تدبّ في عقول الكثير من الإصلاحيين و الديمقراطيين، فسرعان ما تحول الخطاب الديمقراطي للملك، إلى خطاب ملكٍ مطلق السلطات! ليخيِّب بعدها العهد الجديد، الآمال المعلقة عليه مع رجوع انتهاكات حقوق الإنسان إلى الواجهة، و بشكل كبير في ملف الإرهاب (بعد 16 ماي 2003)، و كذلك القمع الوحشي الذي يُواجِه به العاطلين المحتجين أمام البرلمان، دون أن ننسى المضايقات، التي يتعرض لها بين الفينة و الأخرى، كل من الإسلاميين و اليسار الراديكالي…
لا يمكن لوم محمد السادس لوحده، بعدما لم تعرف الإصلاحات السياسية طريقها الصحيحة. فالوزير الأول السابق، عبد الرحمن اليوسفي، له المسؤولية الكبرى فيما آلت إليه الأمور بعد ذلك.. هو و كافة النخبة السياسية التي ما زالت تعيش على الشرعية التاريخية، و لا شيء آخر سواها؛ لم يلعب اليوسفي دورا شبيها بالذي لعبه فيليبي غونزاليث إلى جانب الملك خوان كارلوس من أجل السير بالمسلسل الديمقراطي الإسباني إلى آخر الطريق. لقد كان الوزير الأول المغربي مستسلما، بل كان في غالب الأحيان ملكيا -أو ربما متطرفا!- أكثر من الملك نفسه.
الأفظع من هذا، فحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يقود الحكومة وقتها، ضيع العديد من الفرص.. إحداها التخلي عن سعيد السعدي (على أيّ، فهذه إحدى هوايات الأحزاب المغربية!)، مهندس مشروع مدونة الأسرة المشهورة باسم مدونة المرأة. و التي عَرَفت معارضة قوية من طرف الإسلاميين. ليتدخل بعد ذلك الملك، ليقر المدونة بعد وضع بعض التعديلات عليها. لتتحول خطة إدماج المرأة، و لو أنها لم تصل إلى درجة المساواة بين الجنسين (بالإضافة إلى أن ما تم إقراره يتم إضعافه و القفز عليه بواسطة تلكّئ بعض القضاة في تنفيذهم القوانين، و إكثارهم من قاعدة الاستثناء التي أصبحت هي القاعدة)، -لتتحول- إلى أبرز عناوين إنجازات محمد السادس إلى الآن.

مع مرور الوقت أكثر فأكثر، يظهر أن الآلة المخزنية التهمت أو احتوت الملك. إذ تدريجيا عرف خطاب محمد السادس التطبيع مع خطاب والده، فقد كانت الأيام كفيلة لتنسيه القاموس الديمقراطي الذي استعمله أول عهده و قبله، فأخذ مكانه القاموس الملكي الذي وَرِثه عن مؤسسة ملكية عريقة.

حتى الاقتصاد نفسه، الذي كان “أيقونة” العهد الجديد اللامعة، عرف بدوره بعض التعثرات، أو الكبوات إن صح التعبير. فالكثير من المشاريع “العملاقة” التي كان يعول عليها لتنمية الاقتصاد الوطني، عرفت بعض التأخيرات، بل و أحيانا بعض المشاريع تصاحب عملية إنشائها عدة مشاكل تتسبب في توقيفها لعدة مرات. و اقتصاد الريع، الذي كان يُرتكز عليه في عهد الحسن الثاني، أصبح يستخدم بشكل كبير، و على نطاق واسع، لنشر صورة الملك الراعي المعطاء الكريم! أما بالنسبة للهولدينغ “الملكي”، فاستخدام القائمين عليه (خصوصا صديق الملك، الماجدي) لصورة الملك أضر كثيرا بالتنافسية الاقتصادية، حتى أصبحت <<تحقق مشاريعه (الهولدينغ) 6 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة>> (نيشان، عدد 210).

* الصحافة.. فارغ مملوء!؟

لعل الصحافة المستقلة هي الوحيدة التي لم تبق طويلا تحت تأثير الدهشة فبعد موت الحسن الثاني، سرعان ما تطرقت إلى عدة مواضيع متنوعة متخطية بذلك عدة خطوط حمراء كانت مرسومة لها.
لقد حاولت هذه الصحافة منذ الأيام الأولى من حكم محمد السادس، تجاوز الثالوث المحرم عليها الاقتراب منه. ربما كانت تود الصحافة من وراء هذه المحاولة، المزاوجة بين جرأتها و العهد الجديد، بحيث يصبحان وجهان لعملة واحدة. العهد الجديد بدوره تعامل، إن قارنّاه بسابقه، بنوع من اللين مع ما كان ينشر حينها. و حتى أن أول مواجهة كانت بين السلطة و الصحافة لم يكن مصدرها القصر.. بل الوزير الأول الاشتراكي، عبد الرحمن اليوسفي!

في السنوات العشر من حكم محمد السادس، تطرقت الصحافة إلى كل المواضيع التي يمكن أن تخطر على البال، و عناوينها كانت صادمة للبعض في غالب الأوقات. و غير ما مرة، كانت تجر -و ما زالت!- كتابات بعض الصحفيين أصحابها إلى الحبس، دفع غرامات.. أو إلى منعهم من الكتابة و منع صحفهم.

“أسرار حريم القصر”، “حوار مع عبد العزيز المراكشي”، “ميزانية البلاط”، “كم يكلف الملك”، “الملكية لا تصلح للمغرب”، “جنرالات الحسن الثاني”، “كم تكلف الصحراء”، “لغز الانقلابيين”، “حينما حاول اليسار التخلص من الحسن الثاني”، “محمد السادس..رجل الأعمال”، “قصور الملك”، “عطل الملك”… كل هاته العناوين و غيرها سُمح لها بالتداول، على الأقل الخروج من المطبعة و الوصول إلى الأكشاك في وقتها المعتاد.

يعتبر الكثيرون، أن الصحافة المستقلة هي الصوت المعارض -العقلاني- الوحيد الذي وُجد في العِقد الأخير. لقد ناضلت الصحافة بدون هوادة من أجل حقها في الاستقلالية و النقد و الوصول إلى المعلومة… لتصبح في وقت وجيز على رأس قائمة الصحافة العربية المتمتعة بهامش حرية كبير. لكن من منظور القصر (المخزن)، الذي لم يعرف عبر تاريخه صحافة (المقصود هو مجموعة من الصحف) مستقلة و نزيهة، فالصحافيون كانوا أحيانا يتخطون جميع الحدود، و بالتالي كان لِزاما، حسب رأيه، ردعهم.
بقدر ما خطت الصحافة خطوات مهمة على درب الحرية، بقدر ما ازدادت المضايقات من طرف السلطة: إتلاف الأعداد المطبوعة، منع الصحف من الصدور، الأحكام الحبسية.. و الغرامات القياسية؛
علي المرابط، بوبكر الجامعي، أحمد بن شمسي، سناء العاجي، إدريس اكسيكس، مرية مكريم، نور الدين مفتاح، مصطفى العلوي، علي أنوزلا، جمال بدومة، المختار الغزيزي… و أخيرا رشيد نيني صاحب الغرامة الخيالية. هؤلاء كلهم مروا من من ردهات المحاكم المغربية، فهناك من صدر في حقه حكم بالسجن، و هناك من دُفِع للمنفى “الاختياري”، و هناك من غُرِّم. كل هذا من أجل إضعاف، و لما لا؟، إسكات صوت الصحافة، المشاغبة من منظور مخزني.

إذن فالعصر الذهبي للصحافة المغربية، عرف أيضا أكثر المحن التي مرت على رجال مهنة المتاعب.

طالما كانت علاقة السلطة مع الصحافة متناقضة، فالملك محمد السادس، سيراً على نهج والده، لم يُدل، إلى الآن، بأي حوار لجريدة مغربية. و الوزير الأول الحالي، عباس الفاسي، لا يتوانى في إظهار عدائه للصحافيين و صحفهم. لكن مع كل هذا التوجس تجاه الصحافة، لم تدخل السلطة، و نقصد هنا الملك و محيطه، في مواجهات “مباشرة” معها إلا في مرات قليلة جداً. بل إن الملك، و هو قمة الهرم، كان غالبا ما يتساهل عكس موظفيه، و هذا الأمر يظهر بشكل جليّ في ملف جريدة الصحيفة، التي نشرت وثائق تتم الملك شخصيا في قضية بترول تالسينت. و أيضا في ملف جريدة لوموند الفرنسية التي أرجأت توزيعها وزارة الاتصال حتى تتلقى التعليمات من القصر.

خلاصة الأمر.. لقد لعبت الصحافة دورا مهما، أثناء العشر سنوات الماضية في توسيع هامش حرية التعبير، و أكيد أنه ما زال أمامها الكثير من العمل في هذا الباب.

* الملك.. أنا أو لا أحد

سيكون الأمر قريبا إلى الهذيان، إن قيل أن لا شيء قد تغير طيلة هذه العشر سنوات. فالتغييرات موجودة، ربما لم تصل إلى المستوى المرغوب، و أنه ما زال أمامها الكثير. فكما أسلفنا الذكر، عدة مجالات خرجت من حالة الجمود و الركود التي كانت تعرفها، و بدأت تتحرك مع اختلاف نسبة التحرك فيما بينها.

لكن مهما قيل عن إنجازات عهد محمد السادس، الذي لم يعد عهده جديدا، فإن أحد إنجازاته المهمة، هو جعله حكمه المطلق أقوى من أي وقت مضى. فالملك أصبح بمثابة الشمس التي تدور حولها جل الكواكب، مستفيدا من الواقع الذي أورثه إياه والده. لقد تحول الملك إلى مركز للسلطات، عكس خطاب “اللامركزية” الذي تروّج له السلطة نفسها.

طيلة فترة حكمه، كان الملك يلعب دور “البطل الوحيد”. فجولاته المكوكية عبر أرجاء المملكة، لتفقد أحوال “رعاياه” أو لفتح ورش من الأوراش.. كانت محاولة من محاولات كثيرة لترويج صورته التي أراد أن يعطيها لنفسه.

دائما ما كان الملك هو المبادر؛ في الرياضة أو الاقتصاد. الدين أو السياسة. اجتماعيا أو ثقافيا… لا بد للملك أن يضع بصمته. حتى أصبحت كل الطرق تؤدّي إليه، المباشرة أو غير المباشرة. كل هذه الفترة و محمد السادس يحكم و يسود، و بدون أية معارضة.

إن كانت الديمقراطية تقوم على: توزيع السلط، و مؤسستها (السلط) و عدم شخصنتها، و معاداتها لفكرة العصمة و الطهر التي يدعيها البعض. فالحكم الذي انتهجه محمد السادس، لا يتمتع بأي من هذه الشروط، و بالتالي فحكمه لم يكن في يوم من الأيام ديمقراطيا. فعجلات الانتقال الديمقراطي، الذي كان شعار السنوات الأولى، توقفت منذ مدة ليست بالبسيطة وسط صحراء مقفرة…

هكذا إذن تبدو عشر سنوات من الحكم، لها ما لها.. و عليها ما عليها!

عن الحرية و ما جاورها

يوليو 10, 2009

هل بدأت أكرر نفسي..؟ ربما، لكن الأمر يستحق فعلاً

الحرية، الديمقراطية، المساواة، الحداثة… إلخ كلها أمور تأخذ كاملة أو تترك كاملة. يمكن القول أنها “باك Pack”، إمكانية اختيار ما يعجبنا و ترك ما لا يعجبنا غير ممكنة. يمكن تصنيفها تحت قاعدة TOR، أقصد الكل أو لا شيء.

أعرف أن غالبيتنا نشأوا هنا، في أرض عربية و في مجتمع عربي، مجتمع ما زالت تشتم فيه رائحة البداوة و التخلف مهما طغت صور الحداثة و التحضر الكاذبة. هذا مشكل، فالتنشئة تلعب دورا مهما في مثل هاته الأمور.

يقول حمود في تعليق له على إحدى التدوينات السابقة: “ماذا لو تحول الجزائريون إلى ديانة أخرى..؟ ماذا لو زاد عدد الملحدين -مثلا-..؟” في الأسفل علقت Lady No Man فقالت: “لن تكتب الحرية… إلا حينما نتخلص من فكرة أنا عل حق و غيري على خطأ”. هذا الأخير أعتبره رداً غير مباشر على مثل تلك الأسئلة.

أسئلة حمود سبق لنا جميعا طرحها، إما على الملأ أو على أنفسنا. الأمر يتجاوز الاسئلة، ليطرح مشكل المعايير.. أقصد معايير الأنا و الآخر. فكما لا يخفى على أحد، معاييري ليست هي نفس معايير حمود أو محمد أو حتى نوفل. فما قد أراه حراما يمكن أن يراه سعيد حلالا، و ما أراه عيبا قد لا يراه حمزة كذلك… أعني، ما أراه أنا عيبا أو حراما أو حلالا. يمكن أن لا يكون كذلك. ندخل إلى منعرج خطير، عندما أصر أنا على فرض معاييري على الجميع. أي أصبح وصيا على الآخرين. وصيا على المجتمع، كما وصيا على الدين.. بدعوى أني أملك الحقيقة المطلقة. أحاصر المجتمع بقيمي و أخلاقي، و أحصر الدين في تأويلي. هذا هو جوهر المشكل. فأنا من أقول ما هو الصواب و ما هو الخطأ. أخطط لحياتي، و حياة الآخرين!

نؤمن بالحرية.. جميل. لكن ما الجدوى في التساؤل عن كيف سيكون عليه المجتمع إن ارتفعت نسبة الإلحاد؟؟ من حقي أن أعيش حياتي كما أرى ذلك مناسبا/صحيحا. لكن المناسب/الصحيح عندي ليس بالضرورة نفسه عند الآخرين. إذن لماذا سأربط المجتمع بي. أنا سأموت غذاً أو بعد غذ.. فما الفائدة من معرفة ما سيكون عليه المجتمع بعد قرن أو سبعة؟! عندما أقبل و أؤمن بحرية الآخر، علي أن أقبل كل ما يأتي معها و أن أقتنع به.

الحرية إما أن تكون أو لا تكون. الحرية تعني أن يقبلني الآخرون كيفما أنا، و بدوري علي قبول الآخر كيفما هو.. و لا يهمني إن كان ملحدا أو لا دينيا، يهوديا أو مثلياً، أو مريخيّا! لا يهمني ذلك. أن يأكل علانية في رمضان، و أن يدخل مرقصا، أن يشرب خمرا، أو يجري عملية تجميلية… ليس شأني كل هذا.

الديمقراطية نفس الشيء. ليست الديمقراطية فقط صندوقا و أظرفة بيضاء تافهة. الديمقراطية تبدأ من البيت. لا يمكنني أن أدعو للديمقراطية، و أتكلم على ولاية فقيه “دجال” و ذكر “محتال”. لا يمكنني أن أتكلم على مَلِك شريف مطلق السلطات. لا يمكنني أن أتحدث عن خصوصية كاذبة… لا يمكنني سوى أن أؤمن بالديمقراطية و فقط.

المساواة أيضا. المساواة تعني = . لا فرق بين أسود و أبيض، أحمر و أصفر، رجل و امرأة.. حتى بالتقوى. لا يمكنني أن أطبق قاعدة “حظ الذكر مثل حظ الأنثيين”. لا يمكنني أن لا أساوي بين ابن شرعي و آخر غير شرعي. بل لا يمكنني أبدا وصف الأخير بغير الشرعي. المساواة لا تعني سوى المساواة و ليس أمرا آخر اخترعناه.

الحداثة، ينطبق عليها ما ينطبق على سابقاتها. لا يمكنني الدفاع عن الحداثة و أنا أغوص في محيطات من التخلف و التقليدانية.. “الحداثة و التقليد لا يمكنهما التعايش إلا على مستوى الخطاب” هذا ما قاله عبد الله العروي، و هذا ما أنا مقتنع به.

خلاصة الأمر، سنرسم بكل تأكيد صورة كاريكاتورية، مضحكة مبكية، إن قلنا للأقلية: إننا نحترم حريتكم، و نكفلها لكم.. لكن بشرط أن تبقوا اقلية إلى ما شاء الله، و يبقى المجتمعه أغلبه كما هو الآن. للحرية وجه واحد. للديمقرطية وجه واحد. للمساواة وجه واحد. و للحداثة وجه واحد.. هذا ما أنا مقتنع به، و الله أعلم.
—————————————-
(*) أعتذر لحمود (الذي بالمناسبة أعرف حقاً ما الذي يعنيه في تعليقه 😉 ) و Lady No Man، لإقحامهما في هذه التدوينة.. المعذرة عزيزاي 🙂