Archive for the ‘شيء من السياسة’ Category

عشر سنوات من الحكم

يوليو 23, 2009

نحن الآن في 23 يوليوز سنة 1999، إنها نهاية مرحلة و بداية أخرى جديدة. يومها أعلن عن وفاة الملك الحسن الثاني، الذي حكم المغرب لمدة ناهزت 38 سنة، ليتسلم مقاليد الحكم بعده ولي العهد الأمير محمد؛ مات الملك.. عاش الملك!

مرت الآن عشر سنوات على ذلك. أي تقريبا ربع مدة حكم الحسن الثاني… مرحبا بكم إذن في مملكة محمد السادس.

* الحسن الثاني.. ليس في الإمكان أحسن مما كان

<<الحسن الثاني كان ضحيتنا، كما كنا ضحيته>> بهذا المعنى قال في أحد الأيام المؤرخ عبد الله العروي. كلام العروي صحيح إلى حد كبير، فالكثير من قرارات الحسن الثاني يمكن تصنيفها في خانة ردود الأفعال التي لم يكن متاحا غيرها في تلك الفترة.

لم تكن معتقلات “تزمامارت” و “درب مولاي الشريف” و “الدار الحمرا”..، سوى ردود فعل على حماقات اقترفها كل من العسكر و اليسار، اللذين كانا يودان الإطاحة بنظام الحسن الثاني. و حتى الاهتمام الزائد بالتعليم الأصيل و إهمال العلوم الاجتماعية و السوسيولوجية و الفلسفة.. إلخ، لم يكن سوى رد فعل لكبح جماح اليسار المتطرف وقتها.
تعتبر المعتقلات السرية من النقاط السوداء القاتمة في فترة حكم الحسن الثاني، و التي طالما نفى وجودها فوق تراب بلاده. و مع ذلك لا يمكن إثبات أن تلك الانتهاكات الخطيرة كانت تمارس بمباركة الملك، أو على أقل تقدير بمعرفته. لكن هذا لا يعني إخلاء مسؤوليته منها، فكما ذهب إلى ذلك عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي السابق للحسن الثاني، في شهادته أمام هيئة الإنصاف و المصالحة، إلى أن الحسن الثاني مسؤول أخلاقيا عن الانتهاكات بصفته رئيسا للدولة (الجريدة الأولى، 28 ماي 2008).

لم تكن اختيارات الحسن الثاني، و بشكل كبير السياسية، جيدة. لكنها في المقابل كانت الأقل سوءاً. فالبدائل المتاحة ساعتها، كانت تبدو أمامها مَرارة الملك حُلوَة. أول البدائل المتاحة هم العسكر، الذين قاموا بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين بشكل علني. الشيء الوحيد الذي كان يحرك العسكر هو الطموح الشخصي، و الرغبة في المسك بدفة الحكم. و لم يكن مستبعدا، لو نجح أحد الانقلابي، دخول المغرب في دوامة من الانقلابات، كتلك التي دخلتها الجارة الجنوبية للمغرب: موريتانيا.
اليساريون كانوا البديل الثاني، الذي أثبت التاريخ أنهم ينقسمون إلى قسمين لا يرجى خير من كليهما، الأول مكون من مجموعة من الانتهازيين، طموحهم هو المشاركة في “كعكة” السلطة، لا أقل و لا أكثر. و الجزء الثاني، الذي يجب الاعتراف لأصحابه بملكة “الخيال الواسع”، بدوره ينقسم إلى قسمين: الأول قام بتراجعات و تخلى عن أفكراه القديمة التي اقتنع، أخيرا، أنها لا تنطلق من الواقع، زيادة على أنها وليدة الاندفاع و التهور. أما الجزء الآخر، و هو القلة القليلة المتبقية، فما زال يسير على نفس الطريق، من تغَنٍّ على الأطلال و عيش على الخيال.

لم يكن الحسن الثاني ملاكا، كما لم يكن شيطانا. له ما له و عليه ما عليه. كانت له أخطاء كارثية، كما كانت له نقاط بيضاء ناصعة، أوصله إليها حدسه التنبئي. يحسب للحسن الثاني ميله للمعسكر الغربي عوض الشرقي، أي اختيار الليبرالية، و لو أنه لم يتقيد بأغلب شروطها. و كذلك اختيار سياسة فلاحية، و لو أنها فلاحة لم تحقق أبدا الاكتفاء الذاتي، مع بناء السدود عوض الانسياق وراء جنون البحث عن آبار البترول و الغاز التي قد توجد أو لا توجد.
و أيضا بناء، أو إتمام بناء، الدولة الحديثة، سيراً على منهج مهندسها الأكبر الماريشال ليوطي. بناء المغرب الحديث، لم يكتمل إلا مع القضاء على نفوذ القبائل و القياد و الأعيان، أي تقوية نفوذ “المخزن”، و هذه كانت من الأمور المهمة التي تحسب لعهد الحسن الثاني. كان هذا الأخير يتمتع بسلطوية و استبداد غير طبيعيين، لكن مع ذلك فقد حافظ على التعددية الحزبية، عكس العديد من الدول العالمثالثية.
أربعين سنة تقريبا و البلاد تحت حكم الحسن الثاني، ليخرج بعدها المغرب من عهده باقتصاد منهك، تعليم مفلس، فلاحة تقليدية لا تلبي حتى نصف احتياجات البلاد، نسبة فقر عالية جدا، شعب نصفه أمّي و ربع مما تبقى غير واعٍ، سمعته على مستوى حقوق الإنسان ممرغة في الوحل، و أحزاب سياسية تنتظر إعلان وفاتها، و كذلك فراغ رهيب على المستوى الدبلوماسي… هذه هي تركة الحسن الثاني!
بعد مرور عشر سنوات على وفاة ملك، و حكم آخر جديد، هل تخلصت البلاد فعلا من الخاتم الحسني المطبوع على جبينها؟! ربما قد يكون الأمر صحيحا بالنسبة للشكل و الأسلوب، أما المضمون فلا.

* عهد جديد.. إنها تدور!

في آخر خطاب ألقاه الملك الراحل، في مارس 1999، سطر الملك الحسن الثاني الخطوط العريضة للمجالات التي يجب التركيز عليها للدفع بعجلة الاقتصاد و التنمية، و لتحسين ظروف عيش الطبقة الفقيرة.

نفس الخطوط التي سطرها الحسن الثاني، هي تقريبا التي ركز عليها نجله محمد السادس أثناء فترة حكمه: تشغيل الشباب و من تم القضاء على البطالة، الاهتمام بالسكن الاجتماعي، فك العزلة عن العالم القروي، بناء الطرق السيارة، إعطاء الأولوية للري و بناء السدود، خلق شبكة قوية للصيد و البحري و بناء الموانئ… كل هاته الأمور هي العمود الفقري لما يسمى بالأوراش الكبرى.
لقد مثَّل اعتلاء الملك الجديد العرش أملا لدى الكثيرين في التغيير، و في الدفع قدما بعجلات عدة مجالات كانت متوقفة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية… إلخ. و فعلا، جاءت الشهور الأولى التي قضاها محمد السادس ملكا، لتؤكد و تقوي الآمال المعلقة عليها. كانت أول الخطوات التي اتخذها الملك، هي رفع الإقامة الجبرية عن عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل و الإحسان. و السماح لأبراهام السرفاتي، أحد الأعضاء البارزين لمنظمة “إلى الأمام” السرية بالرجوع إلى أرض الوطن. ليَلي ذلك بعد أسابيع قرار تنحية إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد الحسن الثاني من منصبه. كانت الثلاث خطوات السابقة، إشارات قوية على أن التغيير آتٍ لا محالة، ليؤكد ذلك وضع محمد السادس لإدريس بن زكري، أحد المعتقلين السابقين في سنوات الرصاص، على رأس هيئة الإنصاف و المصالحة في يناير 2004.

لكن قبل 2004 تلك، بدأت الشكوك تدبّ في عقول الكثير من الإصلاحيين و الديمقراطيين، فسرعان ما تحول الخطاب الديمقراطي للملك، إلى خطاب ملكٍ مطلق السلطات! ليخيِّب بعدها العهد الجديد، الآمال المعلقة عليه مع رجوع انتهاكات حقوق الإنسان إلى الواجهة، و بشكل كبير في ملف الإرهاب (بعد 16 ماي 2003)، و كذلك القمع الوحشي الذي يُواجِه به العاطلين المحتجين أمام البرلمان، دون أن ننسى المضايقات، التي يتعرض لها بين الفينة و الأخرى، كل من الإسلاميين و اليسار الراديكالي…
لا يمكن لوم محمد السادس لوحده، بعدما لم تعرف الإصلاحات السياسية طريقها الصحيحة. فالوزير الأول السابق، عبد الرحمن اليوسفي، له المسؤولية الكبرى فيما آلت إليه الأمور بعد ذلك.. هو و كافة النخبة السياسية التي ما زالت تعيش على الشرعية التاريخية، و لا شيء آخر سواها؛ لم يلعب اليوسفي دورا شبيها بالذي لعبه فيليبي غونزاليث إلى جانب الملك خوان كارلوس من أجل السير بالمسلسل الديمقراطي الإسباني إلى آخر الطريق. لقد كان الوزير الأول المغربي مستسلما، بل كان في غالب الأحيان ملكيا -أو ربما متطرفا!- أكثر من الملك نفسه.
الأفظع من هذا، فحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يقود الحكومة وقتها، ضيع العديد من الفرص.. إحداها التخلي عن سعيد السعدي (على أيّ، فهذه إحدى هوايات الأحزاب المغربية!)، مهندس مشروع مدونة الأسرة المشهورة باسم مدونة المرأة. و التي عَرَفت معارضة قوية من طرف الإسلاميين. ليتدخل بعد ذلك الملك، ليقر المدونة بعد وضع بعض التعديلات عليها. لتتحول خطة إدماج المرأة، و لو أنها لم تصل إلى درجة المساواة بين الجنسين (بالإضافة إلى أن ما تم إقراره يتم إضعافه و القفز عليه بواسطة تلكّئ بعض القضاة في تنفيذهم القوانين، و إكثارهم من قاعدة الاستثناء التي أصبحت هي القاعدة)، -لتتحول- إلى أبرز عناوين إنجازات محمد السادس إلى الآن.

مع مرور الوقت أكثر فأكثر، يظهر أن الآلة المخزنية التهمت أو احتوت الملك. إذ تدريجيا عرف خطاب محمد السادس التطبيع مع خطاب والده، فقد كانت الأيام كفيلة لتنسيه القاموس الديمقراطي الذي استعمله أول عهده و قبله، فأخذ مكانه القاموس الملكي الذي وَرِثه عن مؤسسة ملكية عريقة.

حتى الاقتصاد نفسه، الذي كان “أيقونة” العهد الجديد اللامعة، عرف بدوره بعض التعثرات، أو الكبوات إن صح التعبير. فالكثير من المشاريع “العملاقة” التي كان يعول عليها لتنمية الاقتصاد الوطني، عرفت بعض التأخيرات، بل و أحيانا بعض المشاريع تصاحب عملية إنشائها عدة مشاكل تتسبب في توقيفها لعدة مرات. و اقتصاد الريع، الذي كان يُرتكز عليه في عهد الحسن الثاني، أصبح يستخدم بشكل كبير، و على نطاق واسع، لنشر صورة الملك الراعي المعطاء الكريم! أما بالنسبة للهولدينغ “الملكي”، فاستخدام القائمين عليه (خصوصا صديق الملك، الماجدي) لصورة الملك أضر كثيرا بالتنافسية الاقتصادية، حتى أصبحت <<تحقق مشاريعه (الهولدينغ) 6 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة>> (نيشان، عدد 210).

* الصحافة.. فارغ مملوء!؟

لعل الصحافة المستقلة هي الوحيدة التي لم تبق طويلا تحت تأثير الدهشة فبعد موت الحسن الثاني، سرعان ما تطرقت إلى عدة مواضيع متنوعة متخطية بذلك عدة خطوط حمراء كانت مرسومة لها.
لقد حاولت هذه الصحافة منذ الأيام الأولى من حكم محمد السادس، تجاوز الثالوث المحرم عليها الاقتراب منه. ربما كانت تود الصحافة من وراء هذه المحاولة، المزاوجة بين جرأتها و العهد الجديد، بحيث يصبحان وجهان لعملة واحدة. العهد الجديد بدوره تعامل، إن قارنّاه بسابقه، بنوع من اللين مع ما كان ينشر حينها. و حتى أن أول مواجهة كانت بين السلطة و الصحافة لم يكن مصدرها القصر.. بل الوزير الأول الاشتراكي، عبد الرحمن اليوسفي!

في السنوات العشر من حكم محمد السادس، تطرقت الصحافة إلى كل المواضيع التي يمكن أن تخطر على البال، و عناوينها كانت صادمة للبعض في غالب الأوقات. و غير ما مرة، كانت تجر -و ما زالت!- كتابات بعض الصحفيين أصحابها إلى الحبس، دفع غرامات.. أو إلى منعهم من الكتابة و منع صحفهم.

“أسرار حريم القصر”، “حوار مع عبد العزيز المراكشي”، “ميزانية البلاط”، “كم يكلف الملك”، “الملكية لا تصلح للمغرب”، “جنرالات الحسن الثاني”، “كم تكلف الصحراء”، “لغز الانقلابيين”، “حينما حاول اليسار التخلص من الحسن الثاني”، “محمد السادس..رجل الأعمال”، “قصور الملك”، “عطل الملك”… كل هاته العناوين و غيرها سُمح لها بالتداول، على الأقل الخروج من المطبعة و الوصول إلى الأكشاك في وقتها المعتاد.

يعتبر الكثيرون، أن الصحافة المستقلة هي الصوت المعارض -العقلاني- الوحيد الذي وُجد في العِقد الأخير. لقد ناضلت الصحافة بدون هوادة من أجل حقها في الاستقلالية و النقد و الوصول إلى المعلومة… لتصبح في وقت وجيز على رأس قائمة الصحافة العربية المتمتعة بهامش حرية كبير. لكن من منظور القصر (المخزن)، الذي لم يعرف عبر تاريخه صحافة (المقصود هو مجموعة من الصحف) مستقلة و نزيهة، فالصحافيون كانوا أحيانا يتخطون جميع الحدود، و بالتالي كان لِزاما، حسب رأيه، ردعهم.
بقدر ما خطت الصحافة خطوات مهمة على درب الحرية، بقدر ما ازدادت المضايقات من طرف السلطة: إتلاف الأعداد المطبوعة، منع الصحف من الصدور، الأحكام الحبسية.. و الغرامات القياسية؛
علي المرابط، بوبكر الجامعي، أحمد بن شمسي، سناء العاجي، إدريس اكسيكس، مرية مكريم، نور الدين مفتاح، مصطفى العلوي، علي أنوزلا، جمال بدومة، المختار الغزيزي… و أخيرا رشيد نيني صاحب الغرامة الخيالية. هؤلاء كلهم مروا من من ردهات المحاكم المغربية، فهناك من صدر في حقه حكم بالسجن، و هناك من دُفِع للمنفى “الاختياري”، و هناك من غُرِّم. كل هذا من أجل إضعاف، و لما لا؟، إسكات صوت الصحافة، المشاغبة من منظور مخزني.

إذن فالعصر الذهبي للصحافة المغربية، عرف أيضا أكثر المحن التي مرت على رجال مهنة المتاعب.

طالما كانت علاقة السلطة مع الصحافة متناقضة، فالملك محمد السادس، سيراً على نهج والده، لم يُدل، إلى الآن، بأي حوار لجريدة مغربية. و الوزير الأول الحالي، عباس الفاسي، لا يتوانى في إظهار عدائه للصحافيين و صحفهم. لكن مع كل هذا التوجس تجاه الصحافة، لم تدخل السلطة، و نقصد هنا الملك و محيطه، في مواجهات “مباشرة” معها إلا في مرات قليلة جداً. بل إن الملك، و هو قمة الهرم، كان غالبا ما يتساهل عكس موظفيه، و هذا الأمر يظهر بشكل جليّ في ملف جريدة الصحيفة، التي نشرت وثائق تتم الملك شخصيا في قضية بترول تالسينت. و أيضا في ملف جريدة لوموند الفرنسية التي أرجأت توزيعها وزارة الاتصال حتى تتلقى التعليمات من القصر.

خلاصة الأمر.. لقد لعبت الصحافة دورا مهما، أثناء العشر سنوات الماضية في توسيع هامش حرية التعبير، و أكيد أنه ما زال أمامها الكثير من العمل في هذا الباب.

* الملك.. أنا أو لا أحد

سيكون الأمر قريبا إلى الهذيان، إن قيل أن لا شيء قد تغير طيلة هذه العشر سنوات. فالتغييرات موجودة، ربما لم تصل إلى المستوى المرغوب، و أنه ما زال أمامها الكثير. فكما أسلفنا الذكر، عدة مجالات خرجت من حالة الجمود و الركود التي كانت تعرفها، و بدأت تتحرك مع اختلاف نسبة التحرك فيما بينها.

لكن مهما قيل عن إنجازات عهد محمد السادس، الذي لم يعد عهده جديدا، فإن أحد إنجازاته المهمة، هو جعله حكمه المطلق أقوى من أي وقت مضى. فالملك أصبح بمثابة الشمس التي تدور حولها جل الكواكب، مستفيدا من الواقع الذي أورثه إياه والده. لقد تحول الملك إلى مركز للسلطات، عكس خطاب “اللامركزية” الذي تروّج له السلطة نفسها.

طيلة فترة حكمه، كان الملك يلعب دور “البطل الوحيد”. فجولاته المكوكية عبر أرجاء المملكة، لتفقد أحوال “رعاياه” أو لفتح ورش من الأوراش.. كانت محاولة من محاولات كثيرة لترويج صورته التي أراد أن يعطيها لنفسه.

دائما ما كان الملك هو المبادر؛ في الرياضة أو الاقتصاد. الدين أو السياسة. اجتماعيا أو ثقافيا… لا بد للملك أن يضع بصمته. حتى أصبحت كل الطرق تؤدّي إليه، المباشرة أو غير المباشرة. كل هذه الفترة و محمد السادس يحكم و يسود، و بدون أية معارضة.

إن كانت الديمقراطية تقوم على: توزيع السلط، و مؤسستها (السلط) و عدم شخصنتها، و معاداتها لفكرة العصمة و الطهر التي يدعيها البعض. فالحكم الذي انتهجه محمد السادس، لا يتمتع بأي من هذه الشروط، و بالتالي فحكمه لم يكن في يوم من الأيام ديمقراطيا. فعجلات الانتقال الديمقراطي، الذي كان شعار السنوات الأولى، توقفت منذ مدة ليست بالبسيطة وسط صحراء مقفرة…

هكذا إذن تبدو عشر سنوات من الحكم، لها ما لها.. و عليها ما عليها!

Advertisements

هزلت..!

مارس 23, 2009

دلوني من فضلكم على جرائد “لايت”، أقصد جرائد خالية من رائحة السياسية. أو على الأقل جرائد تخلو من سياسة العبث و البؤس، التي نغوص فيها هاته الأيام. أعتقد أني في الطريق لإسقاط كلمة جريدة من قاموسي، بعدما أسقطت منها كلمة تلفاز فيما سبق. حقا أشفق على نفسي، و على أمثالي، فما إن نهم بإغلاق أفواهنا، حتى نفتحها من جديد لقراءتنا خبرا أغرب و أعجب من سابقه.

فهذا البشير تنهاه فتوى لهيئة علماء السودان من السفر إلى الدوحة لحضور القمة العربية المقامة هناك. و هذا أمير الكويت يحل البرلمان، الذي لا يفتح إلا ليغلق من جديد. أما في الجزائر، فمسرحية كوميدية ستبدأ لتوها، إذ أن الحملة الانتخابية الرئاسية قريبا سيعلن عن بدايتها، و لو أن الفائز معروف سلفا، يعني بحد تعبير أحد الإشهارات: “مول لمليح باع أو راح”! و لم يعد أمام الجزائريين سوى أن يرددوا مع الشاب خالد: “لله يا جزاير…”.

الأخ معمر، ما زال كما عهدناه وفيا لعادته، أي الإدلاء بتصريحات تصور صاحبها و كأنه سقط لتوه من المريخ. آخر رد فعل ضد العقيد كان مصدره إفريقيا! هزلت.. إفريقيا التي -أو بالأخرى كانت- من ماركاتها المسجلة الدم و الديكتاتورية أصبحت تعطي الدروس للعرب الذين ملؤوا الدنيا ضجيجا. هزلت يا أحفاد يعرب بن قحطان! يقول المسؤول الذي وصفته جريدة الشرق الأوسط، برفيع المستوى: “عندما يتحدث القذافي فإنه يقدم في الغالب طروحات ثقافية و تنظيرية أكثر منها مواقف سياسية عملية و قابلة للتطبيق”، و يضيف دائما على حد تعبير الجريدة: “أنه لو وافقت معظم الشعوب الأفريقية على تطبيق مقترحاته لعمت الفوضى و انتهى مآل القارة الأفريقية إلى أن تتحول إلى غابة من الأنظمة الديكتاتورية”. لكن ما الذي قاله العقيد حتى يضطر إلى سماع هذا الكلام؟؟ ببساطة، القذافي المترئس حاليا للاتحاد الأفريقي دعا إلى تغيير دساتير الدول الأفريقية لإتاحة الفرصة لبقاء حكامها في السلطة (الشرق الأوسط، الاثنين 23 مارس). يبقى شيء أخير يجب الإشارة إليه قبل أن أنتهي من موضوع القذافي، و هو أن الزعيم الليبي أصبح ينشر أيضا في نيويورك تايمز، يعني ولى زمن الامبريالية النزقة و الصهيونية الغربية… و الراس اللي ما يدور كدية!

أما هنا، أقصد في بلاد المغرب الأقصى كما علمونا في دروس التاريخ غير المأسوف عليها، فمع اقتراب الانتخابات الجماعية، بدأت التصريحات تنهال على المواطنين المساكين أمثالي، فها هو عبد الكريم بن عتيق الأمين العام لحزب العمل، و الذي أعذرك إن لم تسمع به سابقا، فساحتنا السياسية و كأنها أرنبة (لا أعرف هل هذا هو تأنيث أرنب!)  ولود، فقد تعدت رقم الثلاثة و ثلاثين حزبا منذ سنين.. في حواره الأخير مع مجلة نشان (العدد 193) صرح بن عتيق سيكتسح الساحة في المناطق القروية من خلال نساء حزبه المترشحات. قبل أن تذهب بك الظنون و أن تفكر بعيدا عزيزي القارئ، ابق قريبا و اعلم أن حزب العمل هذا لم يحصل سوى على خمسة مقاعد في الانتخابات البرلمانية السابقة!

حقا إننا في حاجة -كما قال صاحبا الأغنية- إلى جزء ثاني من أغنية “و كُولو باز“. إيوا بااااااز!

————————————-

أعتذر لغير المغاربيين إن لم يفهموا معنى كلمة “باز”، لا أعتقد -و هذا ليس اعتقادي لوحدي 🙂 – أن هناك مقابل لهذه الكلمة في اي من اللغات. يمكن الاستعاضة عنها بكلمة “هزلت” و لو أن المعنى ليس هو المعنى!

المطلب رقم -1-

أكتوبر 8, 2008

(ملكية تسود و لا  تحكم)

أكيد أنه يمكننا العيش في ظل ملكية تسود و لا تحكم (بل يمكننا الذهاب بعيدا من ذلك)، سننام كالمعتاد، سنستيقظ في نفس الوقت، الأمطار ستتساقط فوق رؤوسنا كما اعتادت، و سينبث الزرع.. و ستستمر الحياة.

فعلا، يمكننا أن نتخلص من الخصوصية المغربية، و حتى العربية التي ألصقتا بنا لسبب يعرفه الجميع. صدقوني.. إننا قادرون على ذلك. لسنا بحاجة لظل الله في الأرض (ولا في السماء)، لأننا نستشعر الله كل دقيقة و ثانية، و حتى إن لم نستشعره فذلك ليس مهما بالمرة!

أكيد أننا لن نخسر شيءا يذكر إن سرنا على طريق جيراننا الشماليين، لن تغضب عنا الآلهة! و لن نتحسر على أيام كان الملك فيها يسود و يحكم (الكل في الكل).

.. يجب علينا أن فهما شيءا أساسيا: لا يمكن التحدث عن الديمقراطية في ظل سلطة تتركز في يد شخص واحد، فالديكتاتورية و الديمقراطية لا يلتقيان أبدا. لا تنسوا ما قاله منتسكيو: “الأنهار تجري لمعانقة البحر، و الملكيات تجري لمعانقة الإستبداد”. (و نحو أي شيء آخر يمكنها أن تسير سوى نحو الإستبداد؟)

الديمقراطية (كما عهدناها) هي حكم الشعب نفسه بنفسه، لكن للأسف حتى هي لم تسلم من التلاعب و التأويل. أتذكر الآن القائل: “أنا هو الشعب، و الشعب هو أنا” (!) ماذا سأقول لك يا سيدي؟ ما دام الشعب هو أنت، و أنت هو الشعب، فحكمك ديمقراطي، لا شك في ذلك!

لا أظن أنه يمكن لنا التحدث عن مغرب مغاير لما هو عليه الآن، مغرب حداثي، ديمقراطي.. في ظل هاته الظروف. فساعة تحقق هذا الشرط (ملكية تسود و لا تحكم)، بالإضافة إلى شرط آخر (سأتحدث عنه لاحقا)، يمكن لنا التكلم عن التغير الذي يمكن أن يحصل.

منتهو الصلاحية

يونيو 11, 2008

[ من الارشيف ]

الكل بطبيعة الحال يتابع الحملة الانتخابية الأمريكية، و من لا يتابع فإن الأصداء تصله أولا بأول. الكل رأى كيف أن التكنولوجيا حاضرة بكل ثقلها في هذه الحملة، حتى أنها ساهمت بشكل كبير في جمع مبالغ مهمة لمرشح الحزب الديمقراطي أوباما، و بدأت تسحب البساط من تحت الإعلام التقليدي مثل: التلفاز، الراديو.. و باقي العائلة. لقد اعتمد المترشحون على التكنولوجيا لجدب أكبر عدد ممكن الناخبين، فلم يتركوا لا مدونات، و لا يوتيوب، و لا فيس بوك.. إنهم يتسلحون بترسنة من الخدمات لتي توفرها الشبكة، لكي يكونوا أكثر قربا من الناخب المفترض.

دعنا الآن بأمريكا و أوربا، فهذه بلدان “الكفر” (!) على رأي أحد الإخوان، و لنختلس نظرة..، نظرة واحدة فقط على بلداننا التي تطمح -ربما خطأ- إلى أن تصبح من الدول المتقدمة. ماذا سنرى لو تأملنا واقعنا الانتخابي؟ نعرف أن رائحة الديمقراطية منعدمة، لكن على الأقل يجب إعطاء التمثيلية تلك الروح التي تلزمها لتبدو واقعية..، لكن شتان بين هواية التمثيل و احتراف التمثيل. سبحان الله، لم نفلح في شيء، حتى التقليد، انتخاباتنا نتابعها بين صفحات صفراء، على أوراق زينتها الحيونات (كأصحابها)، و أخرى تضم كل الألوان، حتى أننا اخترعنا ألوانا لم تكن من قبل.. ألوان بشعة!

لا أعرف ما الجدوى من انتخابات لا تضيف للمشهد شيءا، و لو قليلا من التشويق، اللهم إن كانت تساهم في اغتيال الغابات (المغتالة أصلا)، فمئات الأطنان من الأوراق نراها تتسكع صحبة الرياح بين الأزقة و الشوارع طيلة الأيام التي تسبق الانتخابات.

لا أعلم لماذا هم هكذا مسؤولونا، دائما ما يستوردون الأشياء التي يتخلى عنها الغرب (ربما من أجل مخالفتهم). لماذا لا يستوردون طريقة إدارة حملة الانتخابات و كيفية التأثير على الناخِب؟ إن لم يكن لأجلنا، على الأقل فليكن من أجل تبرير كل تلك الملايير التي أخطأت طريقها. أو لما لا التفاؤل، و الأمل في أن تجر الحملة الانتخابية المستوردة حديثا ناخِبين آخرين نحو المصيدة التي هي صناديق الاقتراع، عوض تلك الآلاف القليلة التي تحج إلى المكاتب للتصويت عن قريب أو صديق.

هنا أيضا..