Archive for the ‘هجوم مضاد’ Category

الآخر و نحن، البيغمي مثالا!

يونيو 9, 2009

أنظر هذا الخبر، و شاهد هذه الصورة (من فضلك ركز على رأس هيلاري!).. أظنك فهمت قصدي. إن فهمت، فقد قصرت علي الطريق. أما إن لم تفهم بعد، فلا بأس.. سأخلط الأوراق لأعيد ترتيبها من جديد.
أتعرف شيئا حول شعب البيغمي الأفريقي؟! إن كان الجواب لا، فالقي نظرة (العربي/انجليزي/فرنسي).
ما الأمر الذي يربط بين الأمور الثلاثة السالفة الذكر؟ انتظر و ستعرف…
سؤوجز المشكلة في جملة: نريد من الآخر أن يقبلنا كما نحن، دون أن نقبله كما هو؛ على الآخر -الغريب- أن يقوم بمجهود لكي يتعايش معنا، أما نحن فلا يجب أن نفعل شيئا. عليهم الانضباط مع خصوصياتنا الثقافية و الدينية و السيسيولوجية و الاقتصادية… (نقط حذف كثيرة…)، أما خصوصياتهم فلتذهب إلى الجحيم برفقتهم. هل هي أنانية أم نرجسية؟ لا أعلم بماذا يسمى ذلك تحديدا…
أظنكم تتذكرون الضجة التي تلت منع الحكومة الفرنسية ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية، و كيف قال من هم وراء هذه الضجة، أن على فرنسا (بلاد حقوق الإنسان) احترام الحرية الشخصية للاشخاص، بل هناك من ذهب بعيدا و اتهم فرنسا -العلمانية- بمعاداة كل ما هو إسلامي… كنت سأكون في غاية الفرحة لأننا بدأنا نلتقت للحرية الشخصية، لولا (خطيرة لولا هاته!) أن نفس من طالبوا فرنسا باحترام حق الاعتقاد و التعبير عنه كيف ما شاء صاحبه.. نفسهم يصفون الأصوات المنادية بعدم التطاول على الحريات الشخصية بـ”دعوة للتفسخ الأخلاقي و مؤامرة من طرف الغرب الكافر لأزاغتنا عن الطريق المستقيم” (كذا!).
شخصيا، لا أرى سببا مقنعا لمنع فرنسا ارتداء الحجاب، فذلك المنديل فوق الرأس (و ليس شيئا آخر) ليس متناقضا مع مبادئ العلمانية، لأن الحجاب أو اللحية لن يؤثرا على حيادية الدولة تجاه الأديان… لكن، إن كبّرتُ الصورة قليلا، و دخل العنصر الثالث في المعادلة، أي أصحاب الضجيج يصبح في الأمر مشكل و إشكالية و تناقض ليس بعده تناقض.
أغلب من عابوا على فرنسا موقفها ذاك، يدعون في بلدانهم إلى تحريم الحرية الشخصية (كما تعرفون الخارج عن الجماعة شيطان رجيم)، و بلدانهم نفسها لا تجرأ فيها المرأة على الخروج إلا و هي مغطاة بالكامل. بل إن أي امرأة (أو رجل) زارت ذلك البلد عليها التكييف مع خصوصياته و تقاليده. أما إن كانت الزيارة في المنحى المعاكس، فلا مشكلة إن تسكعوا عبر الشوارع في صورة جماعة خرجت لتوها من ثنايا صفحات كتاب تراثي غطاه النسيان.
(…)
أظن أننا وصلنا إلى سؤال المليون..: هل يمكن لأصحاب الصورة أدناه (تعبت لإيجاد صورة لا توجد بها رائحة أنثى، حفاظا على الحياء بيننا!!!)، كما هم، التجول في شوارع الدارالبيضاء أو وهران أو القاهرة* دون أي مشكلة تذكر؟؟!

* للتوضيح فقط، اخترت الثلاث مدن تلك لأن مجتمعاتها تعتبر من أكثر المجتمعات انفتاحا في المنطقة.

مصدر الصور: 1 / 2

قلتم إعجاز علمي؟!

أبريل 30, 2009

قد يزعج رأيي هذا المؤمنين المنساقين وراء عواطفهم (لاحظ معي أن حددت!)، لكن هذه دعوة لاستحضار العقل عوض الانسياق وراء العواطف، علّنا نتفادى السقوط من عليّين، أو الاستيقاظ يوما على الحقيقة المُـرّة التي تجاهلناها باستمرار.
ليس القرآن كتاب فيزياء، و لا كتاب طب. كما أنه لا يحمل بين طياته سياسة اجتماعية و لا اقتصادية. القرآن كتاب روحي، و أي إقحام له، و لو بحسن نية، في أمور لم و لن تكون من اختصاصه هو إلحاق ضرر به و ليس شيءا آخر.
قبل سنوات من الآن، أو ربما قبل عقود، ظهر ما يسمى “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم”، الحقيقة لا أعرف ما (أو من هو) أصل هذه الموجة الجديدية. بخلاصة سريعة، يمكن أن أقول أن “الإعجاز العلمي…” هو نظريات (أعيد: نظريات!) علمية موجودة في القرآن على شكل آيات القرآن. أي أن المهتمين بهذا المجال، يبحثون بين ثنايا كتاب الله عن آيات يربطونها بنظريات علمية موجودة (أعيد: موجودة!) و بعدها يقولون: هذه عظمة القرآن، لقد تنبأ بكل ما وصلتم له أيام كانت البشرية تغوض في الجهل. إنه العبث! عفوا، إني لا أرى في المسمى إعجازا علميا في القرآن سوى خزعبلة من خزعبلاتنا الكثيرة.
من الأشياء القليلة التي يتفق عليها العلماء المعاصرون، سواء كان علمهم نظريا أو تطبيقيا، أن النظرية نسبية مهما كانت نسبة الإجماع حولها. بتعبير آخر، إن النظرية العلمية يمكن أن تكون في صباح اليوم صحيحة، و قبل أن يأتي مساء اليوم نفسه تصبح خاطئة يضرب بها عرض الحائط، و العكس صحيح. (بتعبير ثالث، إنها لا تتصف بالخلود، و هذا ما يجعل العلم المعاصر قويا لهذه الدرجة).
من هنا يظهر أن الربط بين إحدى الآيات و إحدى النظريات العلمية، يشبه اللعب بالنار بالقرب من برميل بارود. لماذا؟! لأن المنطق يقول أنه عندما يثبت خطأ النظرية العلمية، هذا يعني آليا خطأ الآية التي تؤكدها في نظر المؤمنين بالعلم اللاهوتي. و أظن أن هذا الأمر مرفوض من قِبل أي مسلم عاقل.
إنه لعبة، لا يمكن أن تنتهي إلا برابح و خاسر. و بعدها ليس من المعقول أن نقول للعالم: عفوا، تجاربكم لم تناسبنا و إننا نسحب كل ما سبق و قلناه! إن ذلك شبيه بلعب الأطفال، مع اعتذاري للأطفال.
دعوني أقول أن العلم هو دين البشرية الجديد، و كل من يقف في وجهه مآله لا محالة التهميش و النسيان. إذن لا مفر من التفريق بين العلم و الدين، على الأقل خشية السقوط فيما لا تحمد عقباه.
هناك أخبار -التي لا أعرف مصادرها بطبيعة الحال!- تقول أن المعهد الفلاني المهتم في بالبحث في كذا… أو الجامعة العلانية المشهورة التي تهتم بعلم كذا، فتحت قسما للبحث عن أي نظريات جديدة محتملة بين آيات الكتاب. لا أعرف هل مثل هذه الأخبار صحيحة، أم أنها إشاعات للإستهلاك الداخلي. و حتى إن افترضنا جدلا، أن كل ذلك صحيح، فإنها لا تدل على صحة “الإعجاز العلمي…”، لأن ذلك ليس دليلا بالمرة، فهؤلاء الناس يضعون أي شيء مهما كان تافها تحت التجريب.
ربما لا داعي لأذكّر أن كل النظريات التي وُجدت لها صورها في القرآن، نظريات كانت موجودة. بتعبير آخر العلم هو من توصل إليها أولا، ليعمل إخواننا في إعادة قراءة القرآن و ليطلعوا علينا باكتشافاتهم الباهرة. انتهاجا لهذا المنطق، شخصيا لا يمكنني أن أتفاجأ.. بل و أقبل إن ربط أحدهم في المستقبل بين أساطير اليونان أو الفراعنة و بين النظريات العلمية.
البعض يفسر انتهاج بعض العلماء -علماء الدين على الخصوص- لهذه الطريقة، رغبة منهم في دفع أي إحساس بالضعف و الانحسار عن المسلمين، و ايضا رغبة منهم في الاستدلال على صحة الإسلام بدلائل علمية -خصوصا و أن العلم لغة العصر-. عفوا، إن لي رأيا آخر، أو بالأحرى قراءة أخرى لكل ما يجري. إن هؤلاء العلماء أول من يحصون في لاوعيهم بالضعف. العقل يقول أني إن كنت مؤمنا حقا بمعتقداتي، لا يمكنني أن أحتمي بأشياء أعرف أنها غير صحيحة، و لو كنت المسلم الوحيد فوق الأرض. إن من يفعل ذلك ليس سوى الضعيف، الذي أحس بقرب نهايته و بالتالي فهو يسرع من حفر قبره بدون وعي منه. و حقا أتمنى أن أكون مخطئا هنا، و ألا يكون هناك أحد يحس بضعفه.
أعرف أننا لم نصل بعد إلى مرحلة متطورة، لنقتنع بالعقل فقط أن علينا ترك ما لله لله، و ما لقيصر لقيصر، و في حالتنا هاته ما للعلم للعلم. و أعرف أيضا أن البعض لا يقتنع بأمر إلا إن جاء مقرونا بأقوال عدد من علماء الدين. و هذا من أخطاءنا المتوارثة، إذ أننا ما زلنا، و نحن في القرن الواحد و العشرين، لم نتعود على التفكير في أمورنا بعيدا عن المسجد.
لا بأس، سأستعين بكلام عالم دين واحد فقط، لعلنا نتعلم التفكير بعقولنا عوض أن يفكر الآخرون لنا… يقول جمال الدين الأفغاني (القرن التاسع عشر!): إن الدين يجل عن مخالفة العلم الحديث، فإن وقعت المخالفة وجب تأويل الدين.
في الأخير، لا يسعني سوى أن أذكر أن زمن الانحطاط الأوربي كان وقت صبغت جميع المجالات بالدين، و أن احتكار الكنيسة للعلم كما للسياسة من نتائجه المباشرة كان الإلحاد و اللادينية، أو أنه على الأقل سرع بانتشارهما. إن أوربا -و هي قمة الهرم الآن- لم تصل إلى تفوقها على جميع شعوب العالم إلا عبر انتزاع العقل البشري من براثن العقل اللاهوتي [محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني]. أفلا نعتبر؟!
سؤال أخير يا إخوان: متى كان علماء الدين يفهمون في فيزياء النانو؟!!
بطبيعة الحال لا أنتظر جوابا!

أنا أفكر إذن فأنا مقتول!

فبراير 17, 2009

لأن ذاكرتنا مليءة بالثقوب السوداء. لأننا أمة ننسى بعد حين. لأننا بشر لم نرد أن نفهم بعد أن وحوشا ضارية تعيش بيننا في صورة حملان بريئة. لأننا أشخاص لا نعتبر، لا نستفيد من ماضينا.. لأننا.. و لأننا… لكل هاته الاشياء و غيرها أذكركم، و أذكر نفسي أولا، لكي لا ننسى. ولكي نبقى دائما على بال.

(…) باسم الدين أبيحت دماؤهم، باسم الإسلام قتلوا. هو -وهن- الذين لم يملكوا سوى عقولهم و أقلامهم. كفروا، أخرجوا عن الملة، اتهموا بالزدقة… إلخ لا يمكننا تحديد أول من قتل فيهم، كما لا يمكننا تحديد آخر من سيقتل، فآلة القتل ما زالت تدور، و تحصد الأرواح.

هل تتذكرون أيها السادة الأفاضل “بينازير بوتو”؟ تلك المرأة الجليلة، التي تجرأت و قالت لا لدعاة الظلامية، هي من وقفت في وجه “كهنة” (!) الإسلام، هي المقتولة برصاصة في الرأس. لم تكن الوحيدة. لم تكن الأولى و لن تكون الأخيرة من حلقت خارج السرب، فكان جزاءها الموت اغتيالا.

تذكروا “بوتو”، لا تنسوا هذه الشهيدة. لا تنسوها أبدا، فهي من ضحت بدمها في سبيل الانعتاق من أغلال الفكر الظلامي، و هي الواقفة إلى الأبد، في وجه “الطاغوت”.

قبل “بوتو” كان “فرج فوده”، هذا الكاتب الذي آتي قبل زمانه، هو المضحي بروحه ليمهد لنا طريقا آمنة نسير فيها. اغتيل أمام أعينه ابنه، لأنه قدم تاريخ مغتاليه الدموي. هو الكاشف عن الحقيقة الغائبة، تلك الحقيقة التي لا تود الاعتراف بها خفافيش الظلام. ساخر القدر أحيانا! طول عمره، و هو يذكر مغتاليه بتاريخهم القائم على سفك الدم، و هم طول الوقت ينفون، لكن في آخر المطاف يقدمون دليل إثبات التهمة عليهم باغتياله!

لم يكن يملك هذا الدكتور، على غرار من انتهجوا نفس نهجه، سوى قلمه و عقله المتنور، عكس مغتاليه، الذين بالإضافة إلى أسلحة التكفير و الخداع، كانوا يملكون أسلحة تقتل! يصفون بها مخالفيهم الرأي، و الذي كان الدكتور أحدهم.

هو القائل: …و يقينا سوف يكتب البعض من الأجيال القادمة ما هو أجرأ و أكثر استنارة، لكنه سوف يصدر في مناخ آخر، أكثر حرية و انطلاقا و تفتحا، و لعله من حقنا عليهم أن نذكرهم أنهم مدينون لنا بهذا المناخ، و سوف يكتشفون عندما يقلبون أوراقنا و نحن ذكى، أننا دفعنا الثمن… (حقا، لقد دفعوا الثمن!)

قبل المذكورين، اغتيل عمر بن جلون. أتعرفونه؟ هو شهيد وطن و شهيد شعبٍ. قال لي أحدهم أن الشيخ الفلاني لا يعتبر عمراً شهيدا، لم أجبه ساعتها، لكني أجيبه الآن: فلتذهبن أنت و شيخك المعتوه إلى الجحيم! قل لشيخك أن يعرف أولا معنى الشهيد، و بعدها ليأتي يعلمنا إن كان لديه ما يعلمنا إياه.

عمر! هو المغدور. هو الناجي من عملية اغتيال بطرد بريدي ملغوم (المحاولة الفاشلة). هو المناضل من أجل غذ أفضل. قتل، لأنه فطن باللعبة. اغتيل، لأنه رفض مسايرتهم في تمثيليتهم القذرة.

عمر المناضل.. عمر الرفيق.. هو ضحية تنضاف إلى سِجلّ كتب عليه بأحمر بارز: ضحايا القوى الظلامية!

هذه ثلاثة أمثلة فقط، و لمزيد من المعلومات أحيلكم على تاريخ الجزائر، ستذهلون من كمية الدماء التي سفكتها “الجبهة”. راجعوا تاريخ طالبان و القاعدة، كما يمكنكم أن تضطلعوا على أرشيف جماعة “الإخوان المسلمين”، إنه مليء بالكوارث! إن التاريخ لا ينسى، كل ما عليكم فعله هو البحث عن الحقيقة.

إن تاريخنا معروف، فليس بجديد علينا استباحة دماء الأبرياء، و خصوصا أصحاب الآراء “المزعجة” (!). إسألوا المنفيين في أوربا و أمريكا. اسألوهم عن كم من الفتاوي كفرتهم و أحلت دمهم. نقبوا في تاريخنا “العظيم”، الناصع بياضا (!)، ألم تحرق كتب ابن رشد لاتهانه بالزندقة؟ ألم يصلب الحلاج بأمر خليفي؟! إنه تاريخنا…

(…) بعد كل ما قيل و سيقال من مثل هذا الكلام. أكيد أنهم سينفون، سيردون، سيكذّبون، سيدعون… أو ربما سيبررون. و هذا ليس بالغريب عنهم. فهم يقتلون القتيل و يمشون في جنازته!

توضيح لآنستي..

يناير 15, 2009

قد يكون صحيحا أن توضيح الواضحات من المفضحات، لكن أحيانا يصبح التوضيح ضروريا، على الأقل لتفادي سوء الفهم.

لم أرد يوما أن أعيد فتح هذا الموضوع ثانية، و بالخصوص في هذا الوقت العصيب، لكني مضطر لذلك الآن، فعندما يكون الأقرب إليك -الذي تحتك به يوميا- لم يفهم بعد موقفك، فما بالك بالبعيد! إنها إذن محاولة للتوضيح ليس إلا، و ليست دفاعا عن النفس، أو محاولة لإيجاد مخرج لمأزق قد يتوهم البعض أني أوقعت نفسي فيه. لا.. أبدا، ليس الأمر كذلك.

ربما قد تكون زلة لسان هي، عندما قالت (ي) أني “عدو القضية الفلسطينية” (أو بهذا المعني، لا أتذكر). لكن لا بأس إن كانت زلة أم لا، لن يضر التوضيح في شيء.

أكيد أني لن أضيع وقت أحد في شرح كيف أني لست ضد القضية، أو في تبيين أن تهمة العداء باطلة، فهذه كلها أمور هامشية.  ببساطة سأشرح موقفي، الذي أنا مقتنع به شديد الاقتناع. صحيح، قد يقول البعض أن موقفي هذا أناني بعض الشيء، لكن في المقابل يبقى موقفا أكثر واقعية…

إذن هذا ردي، الذي ليس موجها لـ (ي) وحدها، بل موجه لكل من قد يهمه الأمر:

آنستي.. ككل مرة، ما إن يبدأ أي عدوان إسرائيلي، حتى نبدأ بالعويل و النواح، و التنديد، و الصراخ في الميادين العامة، و على أوراق الجرائد، و حتى على شاشات الكمبيوتر… هذا بطبيعة الحال يا آنستي ليس بالغريب عنا، فكما يقال من شب على شيء شاب عليه!

لا جديد إذن، السيناريو كما هو، سماء غزة تمطر قنابل و صواريخ، و نحن مشغولون بتوافه الأمور، اللهم بعض التفاصيل الصغيرة التي أضيفت للمشهد، كدخول بعض اللاعبين الجدد على الخط، و زيادة الغباء في تصرفات و تصريحات البعض.

آنستي.. قد يكون من غير الضروري أن أعيد على مسامعك دروس التاريخ، فنحن متفقون على أن فلسطين أرض مغتصبة، و أهل فلسطين أهل حق. إننا مع طالب الحق أينما كان، و كيفما كان جنسه و دينه و مذهبه، فالحق يبقى حقا، سواء كان أسودا أو أبيضا، عربيا أو غربيا، مسلما أو ملحدا.

إننا نختلف في التفاصيل فقط..: في الزاوية التي نرى منها الأشياء، و في طريقة فهم الأمور… إلخ

ربما قد يكون من الأفضل آنستي، أن أبين شيءا مهما، أنا لست ضد التضامن في حد ذاته، بل في الطريقة التي يقدم بها هذا التضامن. فإن كان التضامن في القلب، فأنا متضامن مع أهل غزة، و مع كل مظلوم (و أنا أول المظلومين!) في هذا العالم. أما إن كان التضامن شيءا آخر، فعذرا آنستي، و عذرا أهل غزة، الواقع يقول أنه ليس في المستطاع…

هل التضامن آنستي، هو النزول إلى الشارع، هو الصراخ و النباح، هو التنديد و التهديد (!) ؟؟

إن المهرجانات الخطابية لا تفيد في شيء، و إن البلاغة سلعة عفى عنها الزمان. قولي لهم آنستي كفاهم حلما، كفاهم اختباءا وراء الشعارات البالية، كفاهم توزيعا للتصريحات يمنة و يسرة. أي هراء هذا..؟ هل عشرة صواريخ أو عشرين حتى، هي من يسمونها سلاح المقاومة؟؟ وا خجلاه!

أتعلمين يا آنستي، أن حمل اللافتات و صور جثت الأطقال لا يغير من الواقع شيءا؟ إن عشرات الشموع، بل حتى الملايين ليست من ستفك الحصار، و لن توقف العدوان. إني متفهم لطموح البعض، هم يريدون إراحة ضمائرهم، إن الأمر سهل: يفدون فلسطين و أبناءها بأرواحهم و دمهم في الساحات و وسط الحشود الهائجة، و بعدها يرجعون إلى بيوتهم سالمين، غانمين، مطمئنين… ليغرقوا في فراشهم الدافئ، و لينسوا بعدها غزة و تازة!! ألا ترين؟ إن ذلك في غاية البساطة.

أما هؤلاء المبشرين بالنصر القريب آنستي، و الناصحين للأمة بالصبر الجميل، القابعين داخل مكاتب لندن الدافئة (هل جربت دفئ المكاتب؟!!)، أو في إقامات دمشق الفاخرة. فمعذورون! حقا معذورون.. فالبعد أحيانا، ينسي المرء صوت النار (أو ربما هم مقتنعون بالنصيحة التي تقول: لا تخف من صوت الرصاص، فالرصاصة التي ستستقر في رأسك حتما لن تسمع صوتها!!)، بل إنه كفيل بأن يمحي من الذاكرة المثقوية صور أشلاء الأطفال. هؤلاء الأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا فلسطينيين.

آنستي.. إنه لا يخفى عليك أن فاقد الشيء لا يعطيه، و أهل غزة محتاجون للحرية… للحياة الكريمة. الحرية و الحياة؟؟ إننا (أنا و أنتِ و كل هؤلاء الصارخين) لم ننتزع بعد حريتنا، فكيف بالأحرى أن ننتزع حرية الآخرين. أما عن الحياة الكريمة، فلا تعليق عندي، الواقع ليس محتاجا لأمثالي للتحدث نيابة عنه.

آنستي.. كلهم يقولون أنهم مع غزة قلبا (وقالبا!). أتصدقينهم؟ سهل الكلام! كلهم يقولون “غزة لنا”، إن “نا” هنا تعود على الغنيمة لا على الهزيمة. “نا” هنا تخفي وراءها الكثير.. أأسترسل يا آنستي أم هذا يكفي؟ ما أسهل الكلام. ما أجمل الكوفيات على رقباتهم، إنها لتحمي أعناقهم من برد الخريف و الشتاء. ما أحلاهم وسط المسيرات، إن هذه الأخيرة لفرصة جيدة لمقابلة رفاق الماضي و الحاضر و المستقبل على السواء.

ما أجمل الصور: ساحات، و دموع، و أمطار تنهمر فوق الرؤوس. إنها تبقى ذكريات. (ذكريات!) ذكريات يحكونها للأحفاد، يوم تزيد الأشلاء على الأشلاء، و يصبح الشهداء في خبر كان.

أو تدرين يا آنستي أنهم بتمثيليتهم تلك (لنسمها تمثيلية) يهربون من الهزيمة، بل يهربون من المواجهة؟؟ إسأليهم عن أطفال أنفكو… أتدرين أين توجد؟ ليس في جزر الباهاماس، و لا دولة السيشل. إنها ليست ببعيدة، لا تبعد عن ساحات تجمعهم إلا ساعات. لأذكرك آنستي، هؤلاء الأطفال لم يقصفوا بطائرات شبح، و لا أسقطت عليهم أطنان القنابل.. ماتوا، ذهبوا، رحلوا، جراء البرد  و الإهمال. إسألي هؤلاء عن البرد، غالبا سيكونون قد نسوه، أو ربما لم يعرفوه يوما. إسأليهم أيضا، عن ماذا فعلوا لهؤلاء المساكين (؟) لقد كانوا قريبين، قريبين.. كل ما فعلوه، هو إشعال شموع (شموع يا آنستي!)، و رددوا “اصبروا إن الله مع الصابرين”. و الصبر جميل كما تعرفين!

آنستي.. كلهم كاذبون. ما يعرف اليتم إلا اليتيم. و ما يعرف العمى إلا الأعمى. و ما يعرف الموت إلا الميت!… ما يعرف الحرمان إلا المحروم. و ما يعرف البؤس إلا البئيس.

جميلة هي شارة النصر. جميلة الشموع المزينة لجوانب الشوارع. جميلة الصور. جميلة اللحظات المقضية… رائع الحماس و رائع الاندفاع.. و الأمل. جميل نضال الأقلام. جميل تبديل المقاعد، و الساحات. كل هذا جميل و رائع!

آنستي.. قريبا سينتهي البكاء و النواح، و سيبدأ مسلسل آخر، مسلسل شيق هو: هذا يعد كم “مغرر به” قربه إليه، و ذاك يحسب عدد الأصوات التي من المفترض أن يلقاها في الصندوق يوم الاقتراع. و يقولون “إن الله مع الصابرين”. هاكم أيها الصابرون، إن الله معكم!

و ما يخجلون آنستي.. ساعة الشهيد انتهت، وجاءت ساعة الجد، و احصد يا مجتهدا ما زرعت!

و تجدينهم يا آنستي يهتفون بحياة المقاومة. أخْ، من تلك المقاومة. مقاومة يقول زعماءها “لن نستسلم، و لو أبيدت غزة كلها” (اسماعيل هنية). أو رأيت كيف أن الشهداء مساكين؟ حقا مساكين.. فالعدو أصبح عدوان. و الألم أصبح ألمان…

لا يغرنك يا آنستي كل ذلك الضجيج، فقلم الرصاص أبدا ما أصبح رصاصا، أما نار الكلام، فتخمد بعد حين.

آه يا آنستي.. ما أتفهنا (و أقول “نا” هذه المرة!). الناس تقصف ليل نهار، و نحن نحرق الأعلام، و نرسل الإسعاف بعد عام!

و ينعتوننا يا آنستي بالخونة، و يتهموننا يا آنستي ببيع القضية… آسأليهم يا آنستي، هم الثوار، هم أصحاب النضال، هم أصحاب المبادئ… عن كم  من الأوطان حرروا، لا.. عن كم متر استرجعوا. اسأليهم عن كيف لنا أن نبيع و نحن ما اشترينا.

آه يا آنستي، إننا أمة مفعول بها، و مفعول فيها، و ما نحن بفاعلين. أولنا كلام (صراخ أو نباح إن أردت)، و آخرنا صمت.

قيل يا آنستي رحم الله عبدا عرف قدر نفسه، و أنا إنسان يعرف قدر نفسه جيدا. إني شخص اتخذ الصراحة و الواقعية منهجان للحياة. فما بكيت مع الباكين، و ما صرخت مع الصارخين، و ما توعدت مع المتوعدين. ما فعلت كل هذا.

و يقولون “اصبروا إن الله مع الصابرين”، و ما الصبر إلا سلاح المعتوهين كما تعلمين.

و يقولون “خيبر، خيبر يا يهود (و ما فرقنا يا آنستي بعد بين اليهود، و إسرائيل، و بني صهيون!!) جيش محمد سيعود”، لكني يا آنستي من المصدقين أنه لن يعود.. لن يعود.

و قالوا.. و قالوا.. و مازالوا يقولون. و ما ينتهون من القول. حياتهم قول. و مماتهم قول.

يقول الشاعر آنستي، و أنا مردد معه:

“…

من ربع قرن و أنا أمارس الركوع و السجود

أمارس القيام و القعود

أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام

يقول: (اللهم امحق دولة اليهود)

أقول: (اللهم امحق دولة اليهود)

يقول: (اللهم شتت شملهم)

أقول: (اللهم شتت شملهم)

يقول: (اللهم اقطع نسلهم)

أقول: (اللهم اقطع نسلهم)

يقول: (أغرق حرثهم و نسلهم)

أقول: (أغرق حرثهم و نسلهم)..

قضيت عشرين سنه..

أعيش في حضيرة الأغنام

أعلف كالأغنام

أنام كالأغنام

أبول كالأغنام

أدور كالحبة في مسبحة الإمام

لا عقل لي.. لا رأس.. لا أقدام..

…” (نزار قباني، الاستجواب)

و يزيد الشاعر آنستي، فأزيد معه:

“…

و لم نزل كالأمس أغبياء

نردد الخرافة البلهاء

“الصبر مفتاح الفرج”

و لم نزل نظن أن الله في السماء

يعيدنا لدورنا..

و لم نزل نظن أن النصر

وليمة تأتي لنا.. و نحن في سريرنا

و لم نزل نقعد من سنين

على رصيف الأمم المتحده

نشحذ من لجانها الحليب و الطحين

و الذلّ، و السردين، و الملابس المستعمله

و لم نزل نمضغ ساذجين

حكمتنا المفضله:

“الصبر مفتاح الفرج”

إن الرصاص وحده

لا الصبر مفتاح الفرج..

…” (نزار قباني، فتح)

قد تقولين آنستي، أن احتجاجهم دواء لكل نسيان، لكني أقول و ما المظلوم المهدد بالنسيان.

دعك آنستي من كلام التلفزيون، دعك من الكلام المعسول. ستون عاما، ستة عقود، و لا صوت يعلو فوق صوت المعركة! و ما الجديد إذن؟ لا جديد.. ستون عاما و الحال هي الحال.

آنستي.. لست رئيس الأركان، و لا أنا صاحب الأبناك. و ما دعوتي التي تستجاب. فما الفائدة إذن؟ إن كان الهدف هو الصراخ. فاسمحي لي، هناك ما هو أهم. معركتي هنا، أين أقف. فما أنا إلا مظلوم، و مغدور. أكلوا حقي، و اغتصبوا رزقي…

أهذا يكفي يا آنستي؟ أقتنعت الآن أم لا؟ أوضحت الصورة…؟

أظن أن هذا يكفي.. لكن بقيت كلمة، بقي شيء في نفسي أود قوله: ما همني آنستي أن أوصف بالخائن، ما همني أن أوصف بالخائف الأرعن. كل ذلك ما همني و ما يهمني. إن التاريخ وحده، هو من سيحدد من الخائن. هو وحده الذي سيبين من أخذ، و من أعطى.

المرجعية الإسلامية، المساواة، و نحن!

ديسمبر 16, 2008

الاقتباسات من جريدة المساء، عدد اليوم، زاوية: 3 أسئلة.

الإجابات كانت لمحمد الحمداوي، رئيس حركة التوحيد و الإصلاح.

… لأننا نرى أن المرجعية الإسلامية، كما هي متعارف عليها لدى جميع الشعوب المسلمة في العالم،  هي مرجعية لا يعلو عليها أي مرجعية أخرى، سواء كانت مواثيق دولية أو غيرها من الاتفاقيات الدولية، و الموقف الذي عبرنا عنه ليس موقف حركة التوحيد وحدها بل موقف مشترك لكافة المغاربة…

المرجعية الاسلامية! ماذا نقصد بالمرجعية الاسلامية؟ النص أم تأويله؟ و إن كان التأويل، عن أي تأويل نتحدث: تأويل أناس عاشوا وسط الصحراء و الخلاء و ما بهما من قسوة و بداوة، أم تأويل أناس الحاضر؟

و ماذا نقصد أيضا بالمتعارف عليها؟ و من تعارف عليها؟ نحن أم أنتم، أقصد: هم؟ فنحن لم نتعارف مع أحد على شيء محدد، زيادة على أن المتعارف لدينا غير المتعارف عليه عند غيرنا. فجوهر المتعارف عليه مختلف، ففهمنا للإسلام غير فهم الآخرين له، لذا لا يعقل أن نتشارك في نفس المرجعية.

نحن متفقون أن المرجعية الاسلامية لا تعلو عليها مرجعية أخرى. لكن لماذا؟ لأن المرجعية الإسلامية عليها أن تكون نابعة من روح العصر، لا العكس. و بالتالي لا يمكن أن تعلو عليها مرجعية أخرى، و في نفس الوقت لا يمكن لها أيضا أن تعلو على المرجعيات الأخرى.

كما يظهر من التصريح أعلاه، فصاحبه يدعي أشياء غير حقيقة، فقد وضع كل البيض في سلة واحدة، و هذا ليس له سوى معنيين: إما أنه لا يعتبرنا مغاربة، أي نحن الذين لنا رأي مخالف لرأيه، و هذا إن كان صحيحا فإنها الكارثة، أو أنه يتفوه بتراهات و أكاذيب، لشيء يريد الوصول إليه، و هذا المرجح في هذه الحالة.

… إننا نقول نعم لحرية المرأة، و ندعو إلى فتح نقاش حقيقي حول المدونة، لأن النقاش الحالي لا علاقة له بمصالح المرأة المغربية، لماذا لا نتحدث عن الدعارة؟ هناك من يدعو إلى منع تزويج الفتيات في سن 16 أو 17، لكنه لا يتحدث عن الدعارة التي تذهب ضحيتها الفتيات في هذا السن، من يدعو إلى ذلك معروف ماذا يريد.

نعم للحرية، لكن بشروطنا! أليس كذلك؟ معروفة هي الحرية التي يتكلمون عنها: < امرأة بالشادور، أقرب إلى الشيء منه إلى الإنسان، تعتبر الذكر كائنا ساميا، لا يمكنها أن تصل إلى مرتبته مهما فعلت. تؤمن بأنها ناقصة عقل و دين، و لا تجادل في ذلك، تطيع زوجها طاعة عمياء، لأن طاعته من طاعة الله…! > هذه هي الحرية التي يبشرنكن بها.

حقا، لماذا لا نتحدث عن الدعارة؟ لنتحدث عنها إذن (لكن قبل ذلك لنحدد ماذا نعني بالدعارة): ما الأسباب التي أعطتنا ظاهرة الدعارة؟ هل هو عدم تطبيق الشريعة تطبيقا “حرفيا”، لنطبقها إذن، لنقطع الرؤوس و الأيادي، لنجلد الزانية و الزاني، فلنقم محاكم التفتيش، و ليتزوج كل ذكر أربع نساء، لا! بل تسع (إضافة إلى ما ملكت يمينه!)، ماذا بقي أيضا؟! هل سنقضي على الدعارة ساعتها؟ الجواب تعرفونه! هل قضت عليها السعوية أو إيران، أو طالبان نفسها أيام كانت تحكم أفغانستان؟ مطلقا، لم و لن يقضوا عليها. مشكل الدعارة أعقد مما نتصور، إنه يتجاوز ما هو عقائدي. لا يمكننا أن نعطي حلولا لمشاكل بعيدا عن أسبابها، لا يمكن أن نجد حلا للدعارة دون إيجاد حلول لأسبابها.

هل الدعارة أتت من فراغ؟: نساء أعجبهن حالهن، خرجن لممارسة الدعارة؟! غباء! السبب الرئيسي (و الأوحد) لظهور الدعارة هو الفقر الذي تعاني منه شريحة عظيمة من المجتمعات، و يوم سنقضي على هذا الفقر، و نوفر لكل مواطن ما هو محتاج إليه، لن نعود بعد ذلك إلى التطرق إلى ظواهر مثل: الدعارة و السرقة…

… هم يتحدثون عن منع التعدد مطلقا و عن قضية الإرث، هم ينظرون فقط إلى الفتيات اللواتي يتم الزواج بهن على زوجات أخريات، لكنهم لا ينظرون إلى الفتيات اللواتي يتعرضن للاستغلال في مجال الدعارة، إن هذا لن يقبل به أي ولي و جميع المغاربة.

لنعد الشريط مرة أخرى: لا لتعدد الزوجات. لن نجادل هذه المرة باجتهاداتنا، أو بفهمنا للأمور،  و الذي نحن متأكدون أنه هو الصحيح وحده، و لنخاطبكم بنفس خطابكم: الله، يعني الذي تعبدون و نعبد، سمح لكم أن (تنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع) بشرط أن تعدلوا، و لكن هل يمكنكم العدل؟! الله، نفسه الذي سمح لكم بالتعدد، أسقط عنكم صفة العدلن (ولن تعدلوا)، مفهوم؟! يعني اكتفوا بواحدة، و ما ملكت أيمانكم، هذا إن وجدتم ما تملكون!

هذا بالإضافة إلى أننا نرفض التعدد جملة و تفصيلا، بغض النظر عن قراءة النص قراءة حرفية، أو تأويله، يعني الأمر منته.  إذن لا داعي، لتبرير المزاج الشهواني بظواهر نعرف جميعنا خلقياتها.

شيء أخير، لكن بالمرموز هذه المرة، يوم سيقضى على الدعارة (و الفقر)، لن يعود هناك شيء اسمه الإرث. انتهى الكلام!

عندما أمسينا مسلمين، و أصبحنا ملحدين!

سبتمبر 22, 2008

هذا ببساطة ما وقع مؤخرا، فقد حسبنا أنفسنا مسلمين كبقية عباد الله الصالحين، لكننا -و الحقيقة هذه-  ملحدين (!) و الفضل يرجع إلى فضيلة الشيخ محمد المغراوي، الذي نبهنا (جازاه الله عنا كل خير) إلى ما وقعنا فيه من خروج عن الملة، و ردة عن دين الله الحنيف.

و من لا يعرف فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي، يمكن أن نقول له أنه أحد رموز السلفية الوهابية هنا بالمغرب..- و تحديدا بمراكش-، و هو صاحب الفتوى -الشاذة- التي تجيز زواج بنت التسع سنوات (*)، و الموجودة على موقع جمعية الدعوة إلى القرآن و السنة، بدعوى أن “هناك بنات تسع لهم القدرة على النكاح ما لا للكبيرات من بنات العشرينات و ما فوق”، و بطبيعة الحال هذه الفتوى رأي الشيخ في الإسلام، و ليس رأي الإسلام، و بالتالي فإن رأيه هذا يمكن أن يصيب كما يمكن أن يخيب، و الواقع أن شعبا بأكمله، أو بتعبير أخف.. أغلب الشعب يرى أن رأي الشيخ خطأ في خطأ.

و يا ليت الشيخ الجليل اكتفى بهذا، أو يا ليته رجع عن فتواه التي لا يراها أحد أنها صحيحة سواه، بل زاد عليها كبوة أعظم من الأولى، فقد إتهم الصحافة بالعلمانية و الإلحاد (**)، لأنها عابت عليه فتواه التي لا يقبلها لا العقل و لا المنطق. و كما هو معروف، فعندما نتحدث عن الصحافة فإنا ضمنيا نتحدث عن الرأي العام، و باستنتاج بسيط نفهم أن اتهام الشيخ للصحافة، هو اتهام يشمل كل من يخالف الشيخ في رأيه.

..و لشيخنا الجليل أن يصلي ركعتين شكرا و حمدا لله على كون الإسلام غير مطبق في المغرب، لأنه لو كان كذلك، لجرّ جرّا نحو أقرب ساحة لينفذ فيه حكم بالجلد. و لا بأس أن نلفت انتباه شيخنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، أن بنعته لبعض المسلمين بالخروج عن الملة قد ارتكب جريمة. فنعته هذا (الذي لم يبنى عل أي دليل أو أساس) يسمى قذفا، و القذف في الإسلام كما هو معروف جريمة يستحق مرتكبها الجلد تعزيرا.

في الأخير لا يسعنا إلا أن نضرب كفا بكف، و أن نردد مع القائلة: “أن عقول بعض العلماء توجد في أجهزتهم التناسلية”.. و لا حول و لا قوة إلا بالله..

——————

(*) القانون يمنع ذلك، إلا في بعض الإستثناءات..

(**) كما جاء في الجريدة الأولى.

في ضيافة شهريار مرة أخرى..

يوليو 10, 2008

لكي أدخل في صلب الموضوع مباشرة، هذا مقال لمحمد الساسي معنون بـ: “فتاوي ضد القانون: <<إذا حبس الاب ابنته في البيت فلأنه يحبها>> و المنشور في العدد 563 من جريدة المساء.. المقال طويل شيءاً ما (وهذا الجزء الأول منه فقط)، لذلك سأكتب المقاطع التي أريد الإشارة إليها بحروف بارزة…

فتاوى ضد القانون : «إذا حبس الأب ابنته في البيت فلأنه يحبها»

استعدادًا لانتخابات 2009، أُعلن عن تنظيم حزب العدالة والتنمية هذه الأيام لحملة استقطابية كبرى، يروم من خلالها تعزيز صفوفه بوافدين جدد وتقوية هياكله البشرية وتوسيع عدد أعضائه. وقد حدد كهدف استراتيجي لهذه الحملة، الوصول إلى ضم 1200 منخرط جديد، مع التركيز على رفع عدد فروع الحزب بالبادية بنسبة 25%، بينما الحملة في مجملها تبتغي الوصول إلى زيادة عدد الأعضاء بنسبة 10%. وكل ذلك في إطار خطة حزبية تهدف إلى تحقيق أوسع تغطية ممكنة لدوائر الترشيح في الاستحقاقات المقبلة التي لم تعد تفصلنا عنها إلا قرابة سنة.
وحزب العدالة والتنمية حزب نشيط وفاعل، ويتوفر لأعضائه الكثير من الطموح والرغبة في احتلال المزيد من المواقع المتقدمة. وهذا مشروع تماماً ولا يطرح في حد ذاته أية مشكلة. كما أن الحزب المذكور أصبح يزداد اقتناعاً ربما بأن تقوية نشاطه الدعوي يمثل ضمانة أكيدة لتحصيل المزيد من المكاسب السياسية، ولهذا فإن أطر الحزب تواصل تقديم نفسها للناس كمؤتمنة على التهذيب والإرشاد الديني وكمصدر لنشر المعرفة بالتعاليم الصحيحة لديننا الإسلامي الحنيف. إن نشطاء الحزب يعتبرون أن لهم مهمة أساسية متمثلة في تقديم «خدمة دينية» للمواطنين، يستخلصون من خلالها مقابلاً انتخابياً ومردوداً سياسياً، ولهذا ينشطون خارج الهياكل الدينية للدولة في مجال إصدار الفتاوى الدينية.
واليوم، يطرح التساؤل عن احتمال وجود علاقة بين الحملة الاستقطابية الجديدة وتجذر القناعة بفوائد العمل الدعوي من جهة، وبين سلسلة من الفتاوى الغريبة التي شرعت جريدة «التجديد» في نشرها مؤخراً.
ويتعلق الأمر هنا بفتاوى ماضوية وأصولية، تكرس المنطق الأبوي الذكوري، وتناهض العلم وحقوق الإنسان، وترفض الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرجل، وتجيز العنف والتسلط، وتعادي أصول التربية الحديثة، وتمس بكرامة الأشخاص وبالحق في الاختلاف، وتقدم قراءة متزمتة للشريعة الإسلامية. والوجه الأخطر في هذا النوع من الفتاوى، هو أنها عندما تقرر ما يجب عمله وما لا يجب عمله، تصنع ذلك بمعزل عما يقرره القانون، فهي توجه الدعوة إلى الناس للسير في اتجاه مناقض لما يرسمه القانون وينص عليه.
صحيح أن نصوص القانون ليست مقدسة، ولنا الحق في المطالبة بتغييرها، إلا أن ذلك لا يسمح لنا بالعمل على خرق تلك النصوص وتجاهلها وتعبئة المغاربة لإخضاع سلوكاتهم لضوابط أخرى، لا تحفل بقيمة القانون ولا تمنحه ذرة اهتمام، من خلال فتاوى تعتبر أنها تمتح من جوهر الإسلام الصافي والنقي، وفي حالات تكلف القانون نفسه على نحو واضح وجلي بتحديد مقتضيات السلوك فيها. فمثل هذه الفتاوى تفضي إلى ازدواجية من شأنها هدم أساس التعاقد المدني في جماعة منظمة.
فهل عملية نشر الفتاوى المشار إليها آنفا عملية بريئة أم تدخل في إطار مسايرة نمط التفكير المتأصل لدى فئة اجتماعية معينة وميلها شبه الغريزي إلى التعبير عن هويتها الدينية بطريقتها الخاصة، أملاً في جلب الدعم الانتخابي لتلك الفئة ولو على حساب المنطق والعقل والقانون.
إن الفتاوى التي تنشر هذه الأيام بجريدة «التجديد»، لا علاقة لها إطلاقاً بالعرض الذي ألقاه مدير الجريدة الشاب مصطفى الخلفي في ندوة (قيم المجتمع الديمقراطي) التي نظمها بمكناس بيت الحكمة أيام 8 و9 و10 ماي 2008، وهو العرض الذي أبهر الجميع ودافع فيه صاحبه عن وجود علاقة ودية بين الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان وبين حزب العدالة والتنمية بالمغرب.
وتخصص الجريدة في إطار صفحة (الدين والحياة) ركنا تسميه (قال الفقيه) لنشر أجوبة عن تساؤلات يبعثها القراء ويجيب عنها ثلة من العلماء تختارهم الجريدة وفق منهجها في العمل وخطها التحريري. والجريدة لا يمكن لها الدفع بكون الآراء والاجتهادات المنشورة تلزم أصحابها فقط وليس لها علاقة بخط «التجديد» وبحزب العدالة والتنمية، إذ كيف تصادف أن اجتمعت الفتاوى المنشورة حول ذات الرؤية دفعة واحدة وفي هذا الظرف بالذات وكيف تقاطعت في خدمة نفس الخطاب؟
أما حكاية أن الجريدة ليست ناطقة باسم الحزب ومواقفها ليست مواقفه، فلا تستطيع إخفاء مصدر المسؤولية عما يُنشر، إذ إن «التجديد» ليست جريدة مستقلة، ولا يسري عليها ما يسري على الجرائد المستقلة، ولا يمكن أن نتصور أن يُسمح بنشر هذا العدد من الفتاوى إذا قدرت إدارة الجريدة ورئاسة تحريرها أنها متعارضة مع توجهات حزب العدالة والتنمية، فلا يتعلق الأمر بمادة واحدة حتى يصح القول بإفلاتها من رقابة مسؤولي الجريدة.
وعندما نعرض ما جاء بهذه الفتاوى، فإن ذلك لا يندرج ضمن حملة جديدة ظالمة ضد الحزب الذي طالما تعرض لمثل هذه الحملات، ولا ضمن دعوة للانتقاص من حقوقه، فهو حزب شرعي، لا ننازعه حق الوجود، ولكننا نأمل أن يحرر نفسه من أصفاد الفكر الأصولي الضار بقيم القانون وحقوق الإنسان. فلن يعز وجود أعضاء بالحزب اختاروا الانتماء إليه رغبة في تأكيد دفاعهم عن مقومات هويتنا الجماعية، لكنهم غير مستعدين في ذات الوقت للتفريط في ضرورة الدفاع عن الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة. وهؤلاء ينتظرهم عمل شجاع وصبور لإنقاذ الحزب من إغراء الشعبوية كمورد سهل للخيرات السياسية والانتخابية.
لنتأمل إذن بعض النصوص المنشورة في ركن (قال الفقيه) بجريدة التجديد :
* ففي العدد 1797 (فاتح يناير 2008)، ذكر السائل أن والده زو َّجه بامرأة لا يحبها، وبعد معاناة دامت 12 سنة لم يعد قادراً على الاستمرار، ووجد امرأة تناسبه وخطبها من والدها وقد وافق. إلا أن المشكلة الآن هي أن السائل يسكن ببلجيكا والقانون لا يسمح بالتعدد هناك، وهو لا يستطيع أن يترك زوجته الثانية وحدها بالوطن الأم، فما الحل؟
ويجيب الأستاذ عبد الرزاق الجاي: «.. إذا رأيت أنه يستحيل عليك معاشرة هذه المرأة وأنك لا تستطيع أن تفي بحقها فنقول لك كما قال القرآن الكريم: «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». هذا بالنسبة إلى المرأة التي اختارها الوالد، وما عدا ذلك، فلك كامل الحرية في اختيار الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وشرط التعدد أن تعدل. فإن كانت الدولة لا توافق على التعدد فإن الله تعالى قد شرع التعدد وأذن فيه بشرط العدل. وكذلك لك أن تعقد القران بالشروط المتعارف عليها، بأن تقدم الصداق وتشهد الشهود ويحضر ولي المرأة، بحيث يكون العقد بخمسة شروط: الزوج، والزوجة، وتسمية الصداق، وموافقة الولي، وحضور الشهود.»
هاهنا، نلاحظ أن «المفتي» يقترح على السائل التعدد وشروط الزواج بدون أي اعتبار لما تقرره مدونة الأسرة. فكأن هذه الأخيرة غير موجودة، وكأن السائل ليس مغربياً مطوقاً بواجب إخضاع زواجه لمقتضياتها. فخطاب المفتي إلى سائله يقوم على ما يلي: «مارس التعدد كما تشاء بشرط العدل فقط، ولابد في كل امرأة تتزوجها من حضور وموافقة الولي». فكأننا في زمن ما قبل مدونة الأسرة، إذ إن هذه الأخيرة في المادة 13 تعتبر أن شرط ولي الزواج لا يكون إلا «عند الاقتضاء» وليس دائماً، لأن للراشدة حسب المادة 25 أن تعقد زواجها بنفسها دون حاجة إلى ولي.
فإذا كان حزب العدالة والتنمية قد عارض زواج المرأة بدون ولي في مرحلة وضع مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، فإن ذلك لا يمنحه اليوم حق تسخير إعلامه لنشر معلومات غير صحيحة عما يخضع له المغاربة المسلمون قانوناً، مثل تجاهل إذن المحكمة لإمكان التعدد، وتجاهل حق المرأة الرشيدة في الزواج بدون ولي.
وكيف نستسيغ وجود «شروط متعارف عليها» تحل محل شروط المدونة؟ فهذه الشروط المتعارف عليها أصبح متعارفا عليها من طرف من؟ وكيف؟ الأصل أن شروط الزواج حسمتها مدونة الأسرة ولم تتركها لاجتهاد علماء «التجديد». وهل وجود مواطن مغربي مسلم بديار أجنبية يعفيه من الخضوع لأحكام المدونة.

نخشى أن يكون حزب العدالة والتنمية الذي صوت لصالح مدونة الأسرة في البرلمان رغم معارضته في السابق لكثير من مقتضياتها، قد أصبح يتحين الفرصة للتحرر من تلك المقتضيات ودعوة الناس إلى تجاهلها. والفرصة في حالتنا هنا هي وجود طالب الفتوى خارج المغرب.
* في العدد 1894 من «التجديد» بتاريخ 19 ماي 2008، جاء السؤال على الشكل التالي: «أنا شابة أبلغ من العمر 20 سنة، حبسني أهلي في المنزل منذ 15 سنة ولا أخرج إلا إلى الطبيب، وذلك خوفاً من الفاحشة، لسوء فهمهم وكثرة جهلهم «رغم حسن نيتهم»، علما أن أبي ليس متديناً، فهو فقط حبيس التقاليد الريفية القديمة. وهو ما ولد لدي شعوراً بالإحباط وأثر سلبا على نفسيتي، حتى أصبحت أفكر في الانتحار أحيانا بشرب «الماء القاطع» داخل الحمام، بما تنصحونني؟».
يجيب الأستاذ عمر البستاوي بما يلي: «والدك يعاملك بهذه المعاملة لأنه يحبك، ويخاف عليك، ويحرص على سلامة عرضك، فقدري له هذا الدافع، والتمسي له الأعذار، واصبري عليه، فإن الله تعالى سيجعل لك من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، يقول الله تعالى: «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب» الطلاق2، ويقول –أيضاً- سبحانه ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً» الطلاق:4، وإياك والتفكير في الانتحار، فقد نهانا ديننا الإسلامي عن اقتراف مثل هذه الجريمة البشعة، يقول الله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً» النساء29 (..) أسأل الله أن يثبت قلبك على الدين وأن يهديك إلى الصراط المستقيم».

هذا هو كل ما جادت به قريحة المفتي أمام حالة حبس أو احتجاز تتعرض له أنثى -لمجرد كونها أنثى- منذ 15 سنة، ولم يظهر للمفتي وجه بشاعة الجريمة إلا في وصف واقعة الانتحار (والانتحار مرفوض على كل حال)، بل إن المجيب اعتبر الضحية أي الفتاة المحتجزة هي المسؤولة لما أورد بخصوصها آيات تحث المسلم على أن يتقي الله ولما سأل الله أن يهديها الصراط المستقيم، فمن يطلب منه أن يتقي الله الأب الذي يحتجز أو يحبس ابنته لمجرد الخشية من الفاحشة أو السجينة؟
إن «الحبس في البيت» إلى الحد الذي يدفع المتعرض له إلى الانتحار، هو قرينة على أننا نوجد أمام مقومات الجريمة المنصوص عليها في المادة 436 من القانون الجنائي التي تقضي بأن «يعاقب بالحبس من 5 إلى 10 سنوات كل من يختطف شخصاً أو يقبض عليه أو يحبسه أو يحجزه دون أمر من السلطات المختصة وفي غير الحالات التي يجيز فيها القانون أو يوجب ضبط الأشخاص».
لقد تجاهل «المفتي» أننا أمام جريمة ولم ينصح بفعل شيء ما لرفع حالة هذا الوضع الإجرامي، فحرية الفتاة لا تساوي في نظره أي شيء، وليس من سبيل أمامها سوى الصبر والاصطبار، وهذا هو تصور المرأة في نظر البعض، فهي مهددة أكثر بالانزلاق نحو الفاحشة، والأب يريد بها خيراً حتى وإن اعتدى على حريتها وهو دائماً على حق، لمجرد أنه أب، وهذا مناقض لأصول التربية الحديثة وللمستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة التي نصت في مادتها الـ54 على واجب الآباء إزاء أبنائهم في «التوجيه الديني والتربية على السلوك القويم وقيم النبل المؤدية إلى الصدق في القول والعمل، واجتناب العنف المفضي إلى الإضرار الجسدي والمعنوي». «تعتبر الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتهم طبقا للقانون. تسهر النيابة العامة على مراقبة تنفيذ الأحكام السالفة الذكر». فالسلطة الأبوية تعرضت أكثر للتقييد مع مدونة الأسرة، وليس من حق الآباء أن يفعلوا بأبنائهم ما يشاؤون.
وهكذا نلاحظ أن الجواب على السائلة لم يذكر بعدد من المقتضيات القانونية التي تهم وضع تلك السائلة، ولم يقترح عليها مراجعة جمعية نسائية أو حقوقية تعنى بملف العنف ضد النساء بالهاتف أو بالمراسلة مثلاً للنظر في العنف الممارس ضدها، ولم ينصحها بالتماس تدخل أحد أفراد العائلة الذين يترددون على البيت أو شيء من هذا القبيل، بل تركها تواجه مصيرها كما لو أن البلاد لا تحكمها قوانين ولا مؤسسات لحماية الأفراد من تعسف الآخرين ولو كانوا من الأهل وأقرب الأقربين، وكما لو أن النصوص الجديدة التي دخلت تشريعنا لمواجهة الحالات التي هي من قبيل السائلة، إنما هي نصوص لا تصلح لنا ولا علاقة لها بديننا ودنيانا.
* وفي العدد 1903 من جريدة التجديد فاتح يونيه 2008، وردت صيغة السؤال بالشكل التالي: «زوجي يريد الزواج من أخرى، ويقول إنه عوض أن يقع في الحرام، يريد مني أن أوافقه على هذا الزواج لكن،ي لا أتصور أنه يمكنني أن أعيش معه تحت سقف وأنا أعلم أنه متزوج، لذلك فأنا مصرة على الطلاق، يقول لي إن هذا حقه الذي منحه إياه الشرع ولا ينبغي أن أعارض هذا الحق. لكن سأجني على نفسي إذا وافقت، لأن هذا الأمر سيسبب لي تعاسة كبيرة، فماذا أفعل؟ هل أوافقه على ما يريد أو أمضي في مسعاي إلى الطلاق إذا كنت أحس بوقوع الضرر علي؟».
وجاء جواب الأستاذ مولاي عمر بنحماد على الشكل التالي: «وبعد، فإني أنصح السائلة بأن تحسن تقدير عاقبة الأمر الذي تختاره. وأخشى أن يكون موقفها من التعدد قد تأسس بناء على الحملة التي تستهدفه وتقدمه على أنه ظلم للمرأة، وإلا فعلى أي أساس قدرت أنها ستعيش في تعاسة كبيرة؟ أو أنها تحس بوقوع ضرر عليها؟ والأمر لم يقع بعد؟ إن الذي يشكوه المجتمع من العنوسة وأشياء أخرى… لا يمكن فصله عن المنع أو شبه المنع من التعدد، والأمر في حالات عديدة يدور بين تعدد الزوجات وتعدد الخليلات؟ والغريب أن يشتد الإنكار إلى قريب من درجة التجريم لتعدد الزوجات، وبالمقابل يقع التغاضي إلى قريب من درجة التحليل لتعدد الخليلات؟ وننصح الزوج بأن ينصت إلى كلام زوجته لكي لا يكون زواجه بالثانية فراقاً للأولى؟ والأمر له عواقبه الوخيمة خاصة في حال وجود الأولاد…».

إن هذا الجواب يجافي روح مدونة الأسرة، فهذه المدونة تنطلق عموماً من أن في التعدد ضرراً للمرأة، ولهذا يشترط حضور الزوجة المراد التزوج عليها وموافقتها (م43 وم45) وإذن المحكمة بالتعدد الذي يتوقف على ثبوت «المبرر الموضوعي والاستثنائي»، وتوفر طالب التعدد على «الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة (م41). بينما نص الفتوى ينطلق هكذا مسبقاً من أن التعدد لا ينطوي على أي ضرر. وأخطر من ذلك، فالمجيب عوض أن يدل طالبة الفتوى على كامل حقوقها في هذا الصدد، لتكون على بينة من الأمر وتختار بكامل الوعي، فإنه يحاول أن يوحي إليها أنها مجبرة دينيا على قبول التعدد في كل الأحوال، وأن في ذلك مصلحة ثابتة، وألا قيمة بالتالي لكل التعقيدات الواردة في القانون والخاصة بمسطرة التعدد التي تسمح للمرأة التي يريد زوجها عقد قرانه على أخرى بإمكان التدخل لحمل زوجها على تغيير رأيه وجعله يعدل عن التعدد، أو يتحمل بالمقابل تبعات التطليق أو الشقاق، بما في ذلك الإيداع في أجل سبعة أيام فقط لمجموع المبالغ المترتبة عن استيفاء كافة حقوق الزوجة وأولادها وإلا اعتبر في حالة تراجع عن طلب الإذن بالتعدد.
إن المجيب يقرر مكان السائلة، وينكر عليها حتى حق الإفصاح عن مشاعرها وعن كون التعدد سيسبب لها تعاسة كبيرة، وهذا هو منطق الفكر الشمولي الذي لا يؤمن بحق الفرد في حرية الاختيار والشعور، فالجماعة تقرر مكانه وبصورة مسبقة. فمادام المفتي يقدر بأن شعور المرأة التي يريد زوجها الزواج عليها بالتعاسة غير مبرر، فيجب أن نعتبر هذا الشعور كأنه لم يكن ولم يحصل ولن يحصل…

دعك الآن من المدونة (التي خيبت آمالا كثيرة فيها)، ما رأيك في الكلام أعلاه، هل توافق عليه أم لا؟ لا تقل دين و شرع… لا.. لا.. كل هذا الكلام ليس لي به شأن، لأننا كلنا مسلمين، و نعرف أنفسنا جيدا، آخر شيء نهتم به (نسبة كبيرة) هو الدين، نحتمي به فقط وقت ما نكون محاصرين.. (أعرف أن البعض سيقول أن هذا استهزاء بالدين.. لا يا سيدي الفاضل، إنها الحقيقة التي تحاولون جاهدين إخفاءها)..

أنا أتكلم هنا عن الجانب الإنساني، جانب المشاعر (للتذكير فقط: المرأة أيضا لها مشاعرها)… إن الأمر (و أكررها) غير مقبول عندي بتاتا، فأن نقزم (إن صح التعبير) المرأة لتكون تابعة و مطيعة للرجل (عفوا للذكر)، و أن تبدأ في ترهيبها لقبول أشياء ترفضها (راجع إجابة المدعو عمر بنحماد!).. فذلك ليس له إلا معنى واحد: نصب و ترهيب بواسطة الدين.

أكاد أجزم أيها السادة أن عصر شهريار قد ولى (دون رجعة)، فإما أن تنسجموا مع الدور أو أن يفوتكم القطار… إنتهى.

إسلام على الهواء، و بين خطوط النت

يوليو 8, 2008

لماذا نحن (أو بتعبير أدق: البعض منا) يحب تعقيد الأمور، فلا يرى إلا الأشياء التي يحب أن يراها، أو التي يود لفت الإنتباه إليها؟ لماذا عندما تتوجه رأسا نحو قنوات الشيوخ الجدد حتى تبدأ فرائصك بالإرتعاد؟ فهذا يحدثك عن عذاب القبر، و ذاك يخبرك بعلامات حية القبور! و آخر يصف لك جهنم و كأنه زارها، و لكي لا تصاب بالملل فأحيانا يحدثوك عن الحور العين، هذا بالإضافة إلى بعض الدموع و الديكور لكي يحسسوك بالجو الروحاني الذي يغوص فيه المكان.

هل الدين بنحصر بين عذاب القبر و جهنم و ما بينهما؟! يمكن أن نجيب بالإيجاب إن داومنا على مشاهدة مثل هذه القنوات لمدة أسبوع واحد فقط. لكن، لحسن حظنا أن الجواب هنا بالنفي. الدين يا سادة ليس فزاعة تخيفون بها عباد الله، و لا وسيلة تحققون بها مآربكم..

حقيقة لا أجد سببا مقنعا لكل هاته القنوات (باستثناء اثنتين أو ثلاثة)، اللهم إن كان الهدف منها تجاريا بحتا، أو لتمرير إديولوجية معينة (و الأمثلة كثيرة..).

و لكي نبقى في نفس السياق، لا ضرر إن أشرت إلى كل تلك المواقع و المنتديات التي تلبس البرقع هي أيضا على غرار أصحابها، فكل يوم نفاجؤ بموقع أو مواقع جديدة، يحمل أصحابها راية الإسلام، و يصبح الكل -بقدرة قادر- يفتون في كل شيء، فيما يعلمون و ما لا يعلمون.

و من هذه المواقع التي ذاع صيتها، يظهر لنا موقع الداعية (!) أم أنس، المشهورة جدا.. إذ أن لها موقع يحمل إسم: “و هذا موقع الداعية المباركة و العلامة السلفية: أم أنس”! و فيه تجميع عدة فتاوى لدعاة مشهورين.

المتصفح لموقع “أم أنس” سيرى العجب العجاب الذي لا أظن أنه سيراه في مكان آخر، فالموقع مليء بالفتاوى التكفيرية، إذ توجد قائمة للمثقفين العرب المكفرين -من ضمنهم فرج فودة، غازي القصيبي، فدوى طوقان، نوال السعداوي..-. هذا بالإضافة إلى فتاوي التحريم الغريبة، فجريدة الشرق الأوسط حرمت، و كذلك إهداء الزهور، و التصفيق (لم يبقى لهم سوى تحريم الحياة..). و أيضا فتاوى استباحة نهب أموال العلمانيين و انتهاك حرماتهم، و جواز الكذب و شهادة الزور على المخالف لنصرة الدين و أهله (ونعم الإسلام..)، هذا دون نسيان فتاوى لنهب و استباحة الأعراض و جواز الدسيسة (مافيا إسلامية..، الحمد لله أننا نعرف ديننا حق المعرفة..)، و تجدر الإشارة -لأنها ضرورية- إلى فتاوى <<تحريم الإنترنت على المرأة بسبب خبث طويتها>> إذ لا يجوز لها فتحه <<إلا بوجود محرم مدرك لعهر المرأة>> (و تلومون الملحدين، ما هذه السخافة؟؟)، و فتاوى تحريم تعلم الإنجليزية.. و غيرها كثير.

و لكي لا أكن عدميا، يجب ان أعترف (و الإعتراف سيد الأدلة) أن لموقع الداعية (!) أم أنس كثير الفضل علي، فلولاها لما عرفت من يكون ابن تيمية، و لا ابن عثيمين، أو ابن باز… بل أنه فتّح عيوني على عدة محرمات لم أكن أعرفها من قبل!

بما أني أصبحت هذه الأيام أبالغ كثيرا، فلا ضرر أن أنصحكم بزيارة هذا الرابط.. إستمتعوا بوقتكم!!

أظن أن ما قاله ممارس صحي صحيح… الموقع لا يعدو يكون سوى قصاصات فقط جمعت و إضيفت إليها بعض البهارات… شكرا ممارس صحي للتنبيه 🙂

ملاحظة: هذا الأمر لا ينفي صحة الفتاوي، فالعديد منها فتاوى صدرت عن شيوخ معروفين ..